آخر الأخبار

التخصص الجامعي – تحديات ومستقبل 2-3

درب التبانة

د. الحسين تاج الدين

 

*في ظل التحديات التي تواجه الإرشاد الأكاديمي في كثير من المؤسسات التعليمية، خاصة في المناطق الطرفية، برزت ظاهرة لجوء الطلاب إلى تقليد نماذج يُنظر إليها على أنها “ناجحة”، باعتبارها الطريق الأقصر نحو تحقيق المستقبل المأمول. ويُنظر إلى هذه النماذج – في كثير من الأحيان – كمرجع جاهز لاتخاذ القرار المصيري المتعلق باختيار التخصص الجامعي، في ظل غياب التوجيه العلمي المنظم وضعف خدمات الإرشاد المتخصص.

*هذا التوجّه لا يأتي من فراغ، بل هو نتيجة طبيعية لبيئة تعليمية تفتقر إلى البدائل.. فعندما لا يجد الطالب من يرشده بشكل منهجي، أو يقدّم له معلومات دقيقة حول ميوله وقدراته وفرص سوق العمل، فإنه يبحث بشكل تلقائي عن أقرب نموذج يمكن أن يستند إليه.. وهنا تظهر الشخصيات الناجحة في المجتمع – سواء كانوا أطباء أو مهندسين أو خريجين بارزين – لتتحول إلى خرائط جاهزة يسير على خطاها كثير من الطلاب، في محاولة لتقليل المخاطرة والشعور بشيء من الأمان النفسي.

*غير أن هذه الممارسة، رغم شيوعها، تطرح إشكالية عميقة تتعلق بمدى دقة هذه النماذج كمؤشرات حقيقية للنجاح. فالنجاح الذي يحققه فرد ما لا يمكن عزله عن الظروف التي أحاطت به، مثل البيئة التعليمية التي نشأ فيها، والدعم الأسري الذي تلقاه، والفرص التي أتيحت له في مراحل مختلفة من حياته.. وبالتالي، فإن تقليد النتائج دون فهم السياق قد يقود إلى قرارات غير مناسبة، بل وقد تكون مضللة في بعض الأحيان.

*كما أن الفروق الفردية بين الطلاب تمثل عاملًا حاسمًا في هذه القضية، إذ تختلف القدرات والميول والطموحات من شخص إلى آخر.. فما يناسب أحدهم قد لا يناسب غيره، حتى وإن بدت النتائج النهائية جذابة. فاختيار تخصص معيّن يتطلب استعدادًا علميًا ونفسيًا يتوافق مع طبيعة هذا المجال، وهو ما لا يمكن ضمانه من خلال التقليد فقط.. وهنا تتحول النماذج الناجحة من مصدر إلهام إلى عامل ضغط يدفع الطالب إلى السير في مسار لا يعكس إمكاناته الحقيقية.

*ولا يمكن إغفال عامل الزمن في هذه المعادلة، فالكثير من النماذج التي يُحتذى بها نجحت في ظروف مختلفة عن الواقع الحالي، سواء من حيث متطلبات سوق العمل أو طبيعة التخصصات نفسها.. فالعالم اليوم يشهد تحولات سريعة تفرض ظهور مجالات جديدة واختفاء أخرى، ما يجعل الاعتماد على تجارب الماضي دون تحليل أمراً غير كافٍ لبناء قرار مستقبلي سليم.

*من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة صياغة طريقة تعامل الطلاب مع هذه النماذج، بحيث تتحول من نماذج للتقليد إلى تجارب للتحليل والتعلم. فبدلًا من السؤال: ماذا اختار هذا الشخص؟، ينبغي أن يتحول التفكير إلى: لماذا نجح هذا الشخص؟ وما المهارات التي امتلكها؟ وهل تتوفر لدي هذه المقومات؟.. هذا التحول في طريقة التفكير من النقل إلى الفهم يمثل خطوة أساسية نحو بناء وعي أكاديمي ناضج.

*إن الاعتماد على النماذج الناجحة ليس خطأ في حد ذاته، بل يكمن الخلل في التعامل معها كقوالب جاهزة قابلة للتكرار.. فالنجاح الحقيقي ليس نسخة مكررة من تجربة الآخرين، بل هو تجربة شخصية تُبنى على فهم الذات واستثمار الإمكانات والقدرة على التكيّف مع الواقع.. وفي هذا السياق، يصبح الإرشاد الأكاديمي – بكل أشكاله – ضرورة حتمية، ليس فقط لتوجيه الطلاب، بل لحمايتهم من الوقوع في فخ القرارات المبنية على الانبهار بدل الوعي.