آخر الأخبار

120 عاما من العطاء… مدرسة الدويم الريفية تحتضر

  • توقف الصيانة تسبب في وفاة طفلة ومشروع الدكاكين فاشل ولابد من التدخل العاجل

الجويم – هيثم السيد:
تعتبر مدرسة الدويم الريفية من أكبر المدارس بالسودان عمرا وتاريخا وعطاء حيث تأسست في العام 1908م كأول مدرسة متوسطة في مدينة الدويم ،وكانت هي المدرسة الوحيدة على نطاق المنطقة الغربية للسودان، وحتى قبل عام 1950م حيث أنشئت مدارس وسطى في كوستي كان كل طلاب المنطقة الغربية يجلسون للامتحان من المدرسة الريفية ولا ينتقل منهم للمرحلة الثانوية سوى 40 طالباً من الطلاب المميزين.
تميزت الريفية بتكامل الخدمات التعليمية والتربوية ،إلى جانب أهتمامها بأكتشاف مواهب الطلاب وترقيتها ،وهى امتداد لدور معهد التربية بخت الرضا، وعمل بالمدرسة جهابذة التعليم في السودان أمثال البروفيسور عبدالله الطيب الذي وضع كتاب (سمير التلميذ) الذي كان يدرس للصفين الأول والثاني للمرحلة الوسطى قبيل تغيير المنهج في عهد مايو، وكان البروف عبدالله الطيب (رحمه الله) حينها رئيس شعبة اللغة العربية بمعهد بخت الرضا.
كانت المناهج التي توضع في بخت الرضا تخضع لتجارب مع المعلمين بالمدرسة الريفية، وكان البروف عبدالله الطيب وزملاؤه من واضعي المناهج يخضعونها لآراء المعلمين للحذف أو الإضافة أو التعديل.
ويحسب للمدرسة الريفية تطوير المناهج في السودان بعد تنقيحها بشكل جيد وتقنينها لتصبح منهجاً يعمم على كل مدارس السودان.
كما يحفظ للمدرسة الريفية دورها الفعال في تأهيل قادة الرأي والفكر على مستوى السودان والمنطقة العربية، هذا إذا وضعنا في اعتبارنا أن العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز قد بعثه والده الملك عبدالعزيز آل سعود للسودان للدراسة في المدرسة الريفية، ورغم أنه لم يبق بها سوى عام دراسي واحد بسبب عدم قدرته على التأقلم مع الظروف العامة خاصة خلال فترة الخريف الذي تكثر فيه الأمراض من ملاريا وخلافه وقتها ، إلا أن صورة الملك عبدالله لازالت راسخة في جنبات المدرسة الريفية.
من جهابذة الساسة السودانيين الذين تخرجوا في المدرسة الريفية رئيس الوزراء سر الختم الخليفة ودكتور أحمد بابكر محمود أول مفتش لغة انجليزية في السودان، ويعد عامر محمود خامس ضابط إداري في السودان من الطلاب المميزين للمدرسة الريفية. هذا بالإضافة لـ محمد أحمد المحجوب السياسي والأديب الغني عن التعريف وهو من أبناء الدويم، ومحمد ابراهيم دريج وابراهيم غندور وغيرهما من الرموز ،وصولا الي الأجيال الحالية نذكر منهم محمد أحمد فراج ،الخبير بالأمم المتحدة والأستاذ الاعلامي صلاح عمر الشيخ والعميد نادر همام والبروفسير معتز بكري مدير جامعة بخت الرضا والفنان أزهري نور الهدى دريشة ،أستاذ الموسيقي بقطر.
كما أن كل القادة من غرب السودان أمثال مهدي بابو نمر درسوا في المدرسة الريفية، إلى ذلك فإن أحمد مكي عبده أول محافظ سوداني لمديرية الخرطوم كان من ابناء الدويم ودرس في الريفية.
مدينة متكاملة:


كانت المدرسة الريفية عبارة عن مدينة متكاملة ،حيث حوت إلى جانب الفصول الدراسية ٧ مساكن للمعلمين والعاملين ،إلى جانب وجود ملاعب لكرة القدم والكرة الطائرة وكرة السلة والتنس ،وبها أيضا ورش للتعليم الحرفي ومساحة للتجريب الزراعي ومعامل للبحوث العلمية المختلفة ،أما الأنشطة الثقافية فكانت الأكثر ثراء ،حيث كان بها مسرح عتيق يستضيف ليالي الجمعيات الأدبية و الثقافية وحفلات التكريم وليالي السمر ،وكانت تملك المدرسة الكثير من الآلات الموسيقية ،وقد ساهمت في تنمية مواهب العشرات من الطلاب ،أيضا كانت المعدات الرياضية تأتيها من بريطانيا ،وبها معمل للعلوم كان به هيكل عظمى لكنه اختفى.

الحصة الصباحية:


كانت هناك حصة صباحية للأعمال وهى حصة مميزة، إذ يقسم فيها الطلاب دوريا إلى جمعيات ،منها جمعية الصحة ومهمتها نظافة المدرسة الحوش والميادين جمعية الموسيقى حيث يتعلم أعضاؤها استخدام الالات الموسيقية،و جمعية الثقافة وهى للمطالعة وكانت لها مكتبة ضخمة تزود بالكتب والمجلات العربية الشهيرة مثل العربى والمجلات المصرية المصور وآخر ساعة وسمير وميكى ،ثم جمعية الزراعة ويشرف اعضاؤها على مزرعة المدرسة
وجمعية الرياضة ويمارس اعضاؤها الرياضة الصباحية وتشرف على الرياضة العصرية اذ تقسم المدرسة إلى فرق سميت بأسماء تاريخيّة منها أبوعنجة والمك نمر وغيره ، وتجرى منافسات ساخنة بينها فى كل ضروب الرياضة وتنافس المدارس الأخرى ،وأهم مايميز هذا النشاط ان هذه الجمعيات يشرف عليها الطلاب انفسهم اذ يختار لكل جمعية رئيس لإدارة الجمعية و للمدرسة رئيس يشرف على الجمعيات و يشرف على هذا النشاط وكيل المدرسة اشهرهم كان الاستاذ احمد محمد عثمان الذى اشتهر باسم (لانه كان صارما ومنفذا للقوانين
كان للنشاط ميزانية تجاز امام الجمعية العمومية للمدرسة التى يحضرها كل الطلاب وتناقش فيها كل الأنشطة بحضور الأساتذة ،ويتعلم
خلالها الطلاب أسس الديمقراطية و الحوار والنقاش ،و بالطبع على الطالب ان يمر على كل هذه الجمعيات.. تجربة الجمعيات كانت تجربة فريدة.
ترد كبير:


تراجعت المدرسة كثيرا بسبب القرارات غير المدروسة ،حيث تم ضمها للمرحلة الثانوية ،وتردت مع ذلك الخدمات التعليمية والمعرفية ،لكن المشكلة الأكبر تمثلت في توقف أعمال الصيانة السنوية للمدرسة بشكل عام والتي كانت تشرف عليها بخت الرضا ،وتردت من ذلك مباني الفصول والمرافق الأخرى خاصة المنازل ،وتوقفت المناشط بصورة شبه كاملة.
المكتبة ضاعت:
كانت المدرسة الريفية تضم مكتبة أنجليزية وعربية فيها كل مناهج الدول العربية ،وكانت الكتب محفوظة في تسعة دواليب كبيرة ،لكنها للأسف ضاعت بمرور الزمن بسبب الاهمال.
الدكاكين:
قبل سنوات تم عرض سور المدرسة للأستثمار ،وتم بناء عدد كبير من الدكاكين طوقت المدرسة تماما ،وللأسف الشديد فأن عائدات تلك المحلات التجارية لاتعود إلى المدرسة ،والمحلات نفسها أصبحت مشوهة للمدرسة ،ولم يستفد من المشروع سوى السماسرة وبعض موظفي الحكومة الذين باعوا سور المدرسة وتاريخها بثمن بخس ،والمؤسف أن هناك محلات تجارية تفتح لداخل المدرسة تستخدم كمخازن وتسبب أزعاجا دائما للطلاب بسبب حركة عربات البضائع ،ويبدو أن اهتمام ادارة المدرسة أنصب في الكسب المادي دون النظر للتشوهات البصرية والتأثيرات الأخرى من ازعاج للطلاب وطمس لملامح المدرسة التاريخية العريقة ،وللأسف فان العائدات المالية على قلتها تذهب لخزينة الوزارة في ربك.
وفاة طفلة:

منازل المعلمين أصبحت متهالكة ومعرضة للسقوط مع كل موسم خريف ،وللأسف الشديد انه في العام الماضي توفيت طفلة متأثرة بصقعة كهربائية داخل منزل أسرتها المقيمة بالمدرسة ،ذلك خلال فصل الخريف ،وهناك اشكالات أخرى كثيرة تتطلب المعالجات العاجلة داخل المدرسة الريفية.

لابد من تدخل عاجل:
المدرسة الريفية تحتاج الآن لتدخلات عاجلة فيما يتعلق بالصيانة العامة وتأهيل المرافق للمحافظة عليها كإرث أثري فاق عمره المائة عام ،وسبق أن أطلقت مبادرات عديدة لتأهيلها لكنها كانت خجولة ولم تف بالمطلوب ،لكنها اليوم في حاجة ماسة للتدخل حتى نبعد عنها شبح الأنهيار.