آخر الأخبار

دفاعاً وذبّاً عن عرض شيخ الزين.. حين تنحدر الخصومة إلى اغتيال السمعة وانتهاك الخصوصية

بقلم: د. البشير الحسن أبونخل

 

 

 

 

 

ليست كل معركةٍ تُخاض بالسلاح، ولا كل جريمةٍ تُرتكب في وضح النهار. فثمّة معارك تُشنّ بالكلمة، وأخرى تُرتكب بالصورة، وثالثة تُدار في الخفاء بقصد النيل من السمعة، واغتيال المكانة، وتشويه السيرة التي بناها صاحبها على مدى أعوام.ومن هذا الباب تأتي الحملة التي تستهدف الشيخ الزين محمد أحمد الزين؛ ذلك القارئ الذي جعل الله له من جمال الصوت وحسن الأداء نصيباً، فدخلت تلاواته بيوتاً وقلوباً في السودان وخارجه، وصار صوته بالقرآن مألوفاً لدى جمهور عريض من المسلمين في أنحاء شتى من العالم.

 

 

 

وليس الحديث هنا عن رجلٍ من عامة الناس، وإنما عن قارئٍ ارتبط اسمه بكتاب الله، وأصبح له حضورٌ واسع في وجدان محبي القرآن، ومحبةٌ راسخة لدى جمهور كبير رأى في تلاوته سكينةً للروح، وأنساً بالقيم التي يحملها القرآن.ومن ثمّ، فإن الرجل يمكن أن يُنتقد إذا أخطأ، وأن يُناقش إذا اجتهد، وأن يُردّ عليه إذا قال ما يستوجب الرد؛ لكن ليس من حق أحد أن يجعل من شهرته ذريعة لاستباحة خصوصيته، أو من التزامه الديني مدخلاً للنيل من عرضه.

 

 

حين تتحول الخصومة إلى حملة تشويه

 

 

ما يجري في بعض وسائط التواصل الاجتماعي لا يبدو، في كثير من صوره، نقاشاً موضوعياً حول أداء الشيخ أو أفكاره أو مواقفه، وإنما يتخذ من حياته الخاصة وصوره الأسرية مادةً للتشهير والتأويل والغمز.وهنا ينبغي أن نضع الأمور في نصابها، وأن نفرّق بين النقد الذي يطلب الحقيقة، والتشهير الذي يبحث عن الإدانة قبل الدليل.فالصور التي يجري تداولها ليست صوراً التقطها الرجل ونشرها للرأي العام ابتغاء عرض حياته الخاصة، وإنما صورٌ شخصية وعائلية خرجت من نطاق الخصوصية في ظروف الحرب، بعد أن تعرض منزله للاقتحام والعبث من قبل مليشيا الدعم السريع، ووصلت الأيدي إلى مقتنياته الخاصة، ثم جرى تداول تلك الصور في فضاء الإنترنت.

 

وهنا يبرز السؤال الذي لا ينبغي أن يضيع وسط ضجيج التشهير:

 

 

بأي حق تُستباح خصوصية إنسان، ثم يُعاقب على انتهاكٍ لم يرتكبه هو؟

 

إن اقتحام البيوت وانتهاك حرمتها والاستيلاء على الممتلكات الخاصة ليس فعلاً يكتسب المشروعية لمجرد أن ما أُخذ منه صار متاحاً للتداول. وما يخرج من خزانة الإنسان بغير رضاه لا يتحول إلى ملكية مشاعة بمجرد وصوله إلى الهاتف أو منصة من منصات التواصل الإجتماعي.والأخطر من ذلك أن يتحول الاعتداء الأول على الخصوصية إلى اعتداء ثانٍ، حين يعاد نشر تلك المواد بعد سنوات، ويُعاد تقديمها في سياقاتٍ مصطنعة، بقصد النيل من صاحبها.
فالخصوصية لا تسقط بالشهرة، وحرمة البيوت لا تنتهي عند أبواب المشاهير، وكرامة الإنسان ليست منحةً تمنحها له الجماهير وتسلبها منه عند الخصومة.

 

الصور الأسرية ليست وثائق اتهام

 

 

ومن عجيب ما يُراد تسويقه أن صور الشيخ مع زوجاته تُنتزع من سياقها الطبيعي، ثم تُقدَّم للناس وكأنها قرينة إدانة أو دليل شبهة. وهذا من أبين صور الخلط والتدليس.فالشيخ رجل متزوج، وما يظهر في الصور من علاقة زوجاته به إنما هو شأن أسري خاص لا يملك أحد أن يحوله إلى مادة للتشهير.
أما استعمال مصطلحات فقهية خارج سياقها، أو محاولة الإيحاء بأن وجود المرأة في صورة مع الرجل يعني بالضرورة وجود علاقة محرمة، فذلك قلبٌ للحقائق وإساءة لا تستند إلى ميزان شرعي أو عقلي سليم.

 

 

فالزوجة بعد قيام عقد النكاح زوجةٌ، وليست «أجنبية» عن زوجها بالمعنى الذي يراد إقحامه في هذه الحملة. ومثل هذه المسائل لا تحتمل العبث بالألفاظ ولا التلاعب بالمصطلحات الشرعية من أجل صناعة شبهةٍ لا أصل لها.والأصل أن الحياة الزوجية من أخص خصوصيات الإنسان، وأن الصور العائلية لا تصبح فجأةً وثائق اتهام لأنها وقعت في أيدي من لا يحفظون للناس حرمتهم. ومن كانت له خصومة مع الشيخ، فليواجهه بما قال، لا بما صُوّر له. ومن اختلف معه في رأي، فليأتِ بالرأي الذي ينقضه. ومن رأى عليه خطأً، فليقدم الدليل عليه.أما أن تُستخرج صور أسرية خاصة من سياقها، ثم تُحمّل ما لا تحتمل، فذلك ليس نقداً، وإنما محاولة لصناعة إدانة من مادة لا تصلح أصلاً للإدانة.

 

 

وحين يدخل الذكاء الاصطناعي على خط التشويه

 

 

ثم إن القضية لم تعد تقف عند حدود الصور الحقيقية التي انتُهكت خصوصيتها، بل تجاوزتها إلى ما هو أخطر: صناعة صور ومشاهد لا أصل لها، أو التلاعب بصور موجودة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.وهنا تتضاعف مسؤولية من يتداولون المحتوى. فالعصر الرقمي الذي منح الإنسان قدرة هائلة على إنتاج الصورة، منحه في الوقت ذاته قدرة هائلة على تزويرها. وما كان بالأمس يحتاج إلى استوديوهات ومونتاج وتقنيات معقدة، أصبح اليوم قابلاً للإنجاز بأدوات متاحة على نطاق واسع.ولهذا لم يعد من العقل، فضلاً عن الشرع، أن يقال: «رأيت الصورة إذن فقد ثبتت الواقعة».
وليس كل ما يُرى حقيقة، وليست كل صورة حجة، وليس كل مقطع شاهداً.

وقد سبق القرآن الكريم إلى وضع قاعدة أخلاقية عظيمة تحفظ المجتمع من الانقياد وراء الأخبار والشائعات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.فإذا كان التثبت مطلوباً في الخبر، فكيف يكون الأمر حين يتعلق الخبر بعرض إنسان وسمعته وكرامته؟

 

إن إعادة نشر مادة مفبركة أو مشكوك في مصدرها لا تجعل صاحبها ناقلاً بريئاً؛ فقد يصبح بمجرد النشر حلقةً في سلسلة ظلمٍ لا يعرف منتهاها.
لماذا الشيخ الزين تحديداً؟

 

وهنا يحق لنا أن نسأل: لماذا تُترك حياة الشيخ الخاصة لتكون ميداناً لهذا الاستهداف، بينما لا يُناقش الرجل في ساحات الحوار التي تليق بالاختلاف؟

 

إن كان ثمة خلاف مع تلاوته، فليكن الحديث عن التلاوة.

وإن كان ثمة اختلاف مع موقفٍ له، فليكن الرد على الموقف.

وإن كان ثمة اعتراض على اجتهادٍ أو قولٍ، فليُناقش القول بالدليل.

 

 

أما الانتقال من الفكرة إلى الأسرة، ومن الرأي إلى الخصوصية، ومن الحوار إلى التشهير، فذلك مؤشر على أن الغاية لم تعد الوصول إلى الحقيقة، وإنما إصابة الشخص في موضعه الأكثر حساسية.ولأن الشيخ مرتبط في أذهان الناس بالقرآن والالتزام، فإن النيل من صورته الاجتماعية والأسرية قد يراد منه، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن يتحول الهجوم على الشخص إلى تشكيك في النموذج الديني الذي يمثله.وهنا ينبغي ألا نخلط بين الأمرين.
الشيخ ليس هو الدين، والقرآن أكبر من قارئه، والإسلام لا يُقاس بأخطاء أتباعه؛ لكن في الوقت نفسه لا يجوز أن يُتخذ التدين ذريعةً لاستهداف أهله والتشهير بهم.

 

 

الحرب لا تمنح أحداً رخصةً لاستباحة الأعراض

 

 

لقد كشفت الحرب التي أشعلتها مليشيا آل دقلو عن أسوأ ما يمكن أن تفعله الفوضى حين تنهار حرمة المكان، وتُقتحم البيوت، وتُنهب الممتلكات، وتنتقل آثار الانتهاك من الواقع إلى الفضاء الإلكتروني.وإذا كانت المليشيا المتمردة الإرهابية قد أخرجت من البيوت وثائق وأسراراً وصوراً ومقتنيات شخصية، فإن من أبسط مقتضيات الأخلاق ألا تتحول تلك الآثار إلى ذخيرةٍ دائمة في معارك التشهير.فما انتُزع من بيتٍ في ظرف قهري لا يجوز أن يصبح مادةً مفتوحة للاستهلاك العام.والذين يعيدون اليوم تدوير صورٍ انتُزعت من سياقها الخاص، إنما يمدّون عمر الانتهاك ويمنحونه حياةً جديدة.لقد كان الاعتداء الأول على حرمة البيت فعلاً مرفوضاً؛ فلا ينبغي أن يصبح النشر المتكرر لذلك الاعتداء اعتداءً آخر أكثر دواماً واتساعاً.

 

 

 

الدفاع عن الشيخ ليس عصمةً ولا تقديساً

 

 

وقد يسأل سائل: أليس الشيخ شخصية عامة؟ والجواب: نعم.

 

 

لكن الشخصية العامة لا تعني أن الإنسان أصبح بلا حرمة.

 

 

والدفاع عنه لا يعني أنه معصوم، ولا يعني أن أحداً ممن يحبه ملزم بأن يوافقه في كل شيء.

 

بل إن الإنصاف يقتضي أن نقول: كل إنسان يؤخذ منه ويرد عليه، ويُحمد على صوابه ويُنبَّه إلى خطئه، لكن ذلك كله ينبغي أن يتم في إطار من العدل والأدب وصيانة الكرامة.

 

وهذا هو الفارق بين النقد والتشهير.

 

النقد يناقش الفكرة.

التشهير يستهدف الشخص.

النقد يطلب البرهان.

التشهير يراهن على الانطباع.

النقد يفتح باب الحوار.

التشهير يغلقه بالصراخ والشماتة.

ومن أراد نقد الشيخ الزين، فليكتب ما يشاء، شريطة أن تكون حجته في كلام الشيخ، لا في خزانة بيته.

ومن أراد محاسبته، فليأتِ بالبينة.

ومن أراد الرد عليه، فليواجه الحجة بالحجة.

أما الأعراض، والبيوت، والصور الأسرية الخاصة، فليست ميداناً مشروعاً للخصومة.

 

 

كلمة أخيرة

 

 

لسنا هنا بصدد صناعة قداسة حول رجل، ولا ندّعي أن الشيخ الزين فوق النقد أو المساءلة؛ وإنما نقف عند أصلٍ أكبر من الأشخاص جميعاً: حرمة الإنسان وحرمة بيته وحرمة عرضه.
فالذي يُؤخذ بغير حق لا يصبح حلالاً بمجرد نشره.
والذي يُفبرك بالذكاء الاصطناعي لا يصبح حقيقةً بمجرد أن ينتشر.
والذي يُقال في أعراض الناس لا يصبح حقاً لأن آلاف الحسابات أعادت نشره.
والذي يعجز عن إسقاط الحجة بالحجة، ثم يلجأ إلى الخصوصيات والصور والشائعات، إنما يكشف عن عجز حجته قبل أن ينال من خصمه.

 

 

أما شيخ الزين، فإن كان للناس معه اختلاف، فليكن اختلافاً نظيفاً؛ وإن كان عليه نقد، فليكن نقداً نزيهاً؛ وإن كان ثمة خطأ، فليُذكر بالدليل؛ أما أن تتحول حياته الخاصة إلى ميدانٍ للشماتة والتشهير، فذلك مما تأباه الفطرة السليمة، وتأباه المروءة، وتأباه أخلاق الإسلام.إن الدفاع عن عرض شيخ الزين ليس دفاعاً عن فردٍ بعينه فحسب؛ بل هو دفاع عن قاعدةٍ لو انهدمت، لم يأمن أحدٌ على بيته ولا أسرته ولا سمعته: أن الإنسان لا يفقد حقه في الكرامة لأنه مشهور، ولا تُستباح خصوصيته لأنه ملتزم، ولا يتحول ما سُرق من حياته الخاصة إلى ملكٍ مشاع للمتربصين.

 

ومن هنا نقولها بوضوح لا لبس فيه:

 

 

من كان لديه دليل فليأتِ به، ومن كان لديه نقد فليكتبه، ومن كان لديه خلاف فليعرضه بالحجة؛ أما الأعراض فليست غنيمة، والخصوصيات ليست مباحة، والصور المفبركة ليست حقائق، والتشهير ليس نقداً، والافتراء ليس شجاعة.
وسيظل ميزاننا الذي لا نحيد عنه:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.

فليكن اختلافنا راقياً، ونقدنا نزيهاً، وخصومتنا شريفة؛ فإن الكلمة أمانة، والعِرض حرمة، والظلم وإن راج حيناً، لا يصير حقاً بكثرة من يردده.