
بنية الدبلوماسية السودانية بين السلام والحرب (1-2)
السفير أنس الطيب الجيلاني
*قامت الدبلوماسية السودانية منذ نشأتها الأولى على مرتكزات أساسية وأهداف وإرث ممتد في محيطها الإقليمي والدولي ومناطق إنتمائها الأفريقي والعربي والإسلامي، يسندها تاريخ ضارب في عمق التاريخ القديم والحديث وموقع جيو إستراتيجي مكن السودان من أن يلعب حلقة الوصل والإلتقاء بين العالمين العربي والأفريقي، وكذلك علاقات متجزرة وممتدة مع العالم الآسيوي وينتمي السودان بعضوية في تجمعات إقليمية ذات تأثير على مجريات السياسة الدولية فالسودان كما هو معلوم عضو بالأمم المتحدة والجامعة العربية والإتحاد الأفريقي ومنظمة التعاون الإسلامي ومنظمة الإيقاد وتجمع الساحل والصحراء واللجنة الإقتصادية لدول شرق وجنوب أفريقيا (COMESA)
، وفوق ذلك السودان كما هو معلوم عضو فاعل بمجموعة الـ 77 والصين والتي تضم الدول النامية والأقل نمواً. وبالتالي فإن هذه القاعدة من العضوية الدولية والإقليمية تسمح له بالتفاعل الإيجابي مع العالم وقضاياه الراهنة والمتجددة. وتنطلق الدبلوماسية كذلك إستناداً على المواثيق الدولية والإقليمية وقواعد القانون الدولي وإحترام حقوق الإنسان وقواعد التقاضي الدولي بما فيها الوسائط القضائية والهيئات وأجهزة التحكيم الدولية.
*كما تؤمن الدبلوماسية السودانية بمفهومي السلام والتنمية كمتلازمتين هامتين في بلورة مستقبل العلاقات الدبوماسية الخارجية والتعاون مع الدول على قاعدة إحترام السيادة وإنتاج سياسة حسن الجوار.
*مرت الدبلوماسية السودانية عقب الإستقلال بكثير من التحديات، وساهمت الدبلوماسية السودانية في الحفاظ على مقدرات الدولة السودانية والمحافظة على السيادة في حالات السلم والحرب عبر تاريخ السودان
فبمثلما يقع على عاتق الدبلوماسية في أزمنة الحرب دور أساسي في رسم ملامح السياسة الخارجية من خلال قيادتها للتعريف بالأزمة ودعم السيادة الوطنية عبر عملية الوساطة والتدخل الدبلوماسي وحث الأطراف للنزوع للحل السلمي ومبدأ التفاوض والدفاع كذلك عن القضايا الوطنية المختطفة بواسطة الأطراف الدولية والإقليمية، ومواجهة سيل المؤامرات وحرب السرديات بتوضيح الموقف الرسمي للدولة عبر البيانات والخطابات الدبلوماسية، فإنها كذلك يقع عليها دور كبير في مراحل السلم عبر تفعيل دور دبلوماسية التنمية وتبادل المنافع مع المجتمع الدولي والدول الصديقة والشقيقة.
*كما أن ممارسة الدبلوماسية الوطنية ليست حكراً على وزارة الخارجية وحدها وإنما تتكامل أدوار المؤسسات عبر مايعرف بالدبلوماسية الرئاسية أو عبر أجهزة المخابرات الخارجية والمؤسسات التي تعنى بقضايا الأمن القومي كما هو متعارف عليه في كثير من دول العالم، وإضافة للدبلوماسية في مسارها السياسي هناك ضروب أخرى ومفاهيم جديدة للدبلوماسية، منها مايعرف بدبلوماسية الردع والدبلوماسية الناعمة عبر أدواتها المتعددة كالثقافة والفنون والرياضة ومنظمات المجتمع المدني، كما برزت مؤخراً ما يعرف بدبلوماسية الخطوط الحمراء وإقترنت هذه الدبلوماسية بمبدأ توازن القوى والضغوط التي تفرضها الأزمات والحصار الإقتصادي وسياسة المصالح الذاتية التي تهدف لتدمير البنيات الإقتصادية لبعض القوى المؤثرة إقليمياً أو تدمير البنيات الدفاعية لتحقيق عامل التوازن الإقليمي، ولعل أوضح مثالية لهذه الدبلوماسية هي التحذيرات الروسية لأوكرانيا من إندلاع الحرب في 24 فبراير 2022م بعدم التسامح مع أمنها القومي وإقتراب حلف الناتو مع حدودها الغربية، والمثال الآخر لدبلوماسية الخطوط الحمراء تلك التي أطلقها الرئيس الأمريكي ترامب لإيران بعدم السماح لها بإمتلاك سلاح نووي يهدد أمن الإقليم ومنطقة الشرق الأوسط.
*كما إستخدمت الصين كذلك ومارست هذا النوع من الدبلوماسية حيث أطلقت كذلك تحذيراتها للولايات المتحدة وإستعدادها للجوء للحرب إن هي إقتربت من التأثير على قضية تايوان أو إعلان إستقلالها بأعتبار أن هذا الفعل يمس سيادة الصين لأن تايوان تعتبر جزءاً لا يتجزأ من السيادة الصينية على أراضي الجزيرة.
*عانت الدبلوماسية السودانية في مختلف العهود السياسية حالات حادة من الإستقطاب والتغييرات الهيكلية، وهزات بنيوية وتشريد للكوادر عبر ممارسات للأحزاب السياسية، بدأتها حكومة مايو بسيطرتها اليسارية مروراً بحكومة الإنقاذ في أول عهدها وأخيراً حكومة عبد الله حمدوك عبر لجنة إزالة التمكين، سيئة الذكر، ونتمنى أن تعي الأحزاب السودانية وتستفيد من الدروس والعبر التاريخية وتوقف هذه الممارسات التي أضرت بالخدمة المدنية السودانية.
*هذه المعاناة لاشك أثرت على قدرة وزارة الخارجية في القيام بمهامها على الوجه الأكمل، ورغم هذه التحديات إلا أنها لم تلن لها قناة وواصلت مجهوداتها في الدفاع عن سيادة البلاد، وآخر هذه المعارك حرب الكرامة التي تشهدها البلاد حالياً والتي أبلت فيها الدبلوماسية السودانية بلاء حسناً في مختلف الجبهات فكانت مشاركة في أول جولة للمفاوضات في جدة في 11 مايو 2023م، وظلت حاضرة في المنابر الدولية والإقليمية عبر بعثاتها الدبلوماسية متعددة الأطراف في نيويورك وجنيف وعبر سفاراتها المنتشرة في قارات العالم، كما كانت معبراً عن صوت الدولة في كشف كافة الإنتهاكات والممارسات لمليشيا الدعم السريع عبر بياناتها الصحفية ومؤتمراتها التي شاركت فيها كافة السفارات السودانية بالخارج، ومازالت الدبلوماسية السودانية تضطلع بهذه المسئولية بنحو من الكفاءة والمهنية الدبلوماسية.