آخر الأخبار

لجنة تقليص العاملين… هل أصبحت معاناة السودانيين مشروعاً حكومياً؟ (1-2)

أصداء من الواقع… ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

*في توقيتٍ بالغ الحساسية، وفي لحظةٍ يعيش فيها العامل السوداني أقسى ظروفه الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية، يخرج على الناس قرارٌ من وزارة التنمية البشرية والعمل يتحدث عن حصر العاملين وتقليص الوظائف وتخفيض العمالة داخل مؤسسات الحكومة الاتحادية، وكأن البلاد تنعم بالاستقرار والرخاء، وكأن الموظف السوداني يعيش رفاهيةً تستوجب إعادة النظر في وجوده من الأصل.

*القرار، بصورته الحالية، ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل يمثل أزمة سياسية واجتماعية وقانونية كاملة الأركان، ويكشف خللاً كبيراً في فهم طبيعة الدولة، وحدود الاختصاص، وتعقيدات الخدمة المدنية في السودان. الأخطر من ذلك أن القرار جاء في وقتٍ لم يتعافَ فيه السودان بعد من آثار الحرب، والانهيار الاقتصادي، والتشريد، وتعطل الرواتب، والانهيار المؤسسي الذي ضرب الدولة من أقصاها إلى أقصاها.

*من المؤسف حقاً أن تصدر مثل هذه الخطوة من وزارة العمل التي يُفترض أن تكون مهمتها الأساسية حماية العامل، وتنظيم علاقات العمل، وتحقيق الاستقرار الوظيفي، لا التحول إلى منصة لإثارة الذعر وسط آلاف الأسر السودانية التي لم يبقَ لها سوى الأمل الضعيف في وظيفة بالكاد تؤمن الحد الأدنى من الحياة.

*الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح إن وزارة العمل، وفق قانون العمل وقانون الخدمة المدنية، ليست جهة مخولة قانوناً بإصدار قرارات تقليص جماعي للوظائف في الخدمة المدنية الاتحادية. دور الوزارة إشرافي وتنظيمي وفني، يتمثل في وضع السياسات العامة، وتنظيم علاقات العمل، والتفتيش، وحل النزاعات، وتحسين بيئة العمل، وليس تسريح العاملين أو إعادة هيكلة الدولة بقرارات منفردة.

*أما ما يسمى بالتقليص الجماعي للوظائف، فهو في القانون الإداري والعمالي يُعرف بـ(التسريح لأسباب اقتصادية أو هيكلية)، وهذا النوع من القرارات لا يتم عبر لجنة فنية معزولة، وإنما عبر مؤسسات الدولة السيادية والتنفيذية المختصة، وعلى رأسها مجلس الوزراء وديوان شؤون الخدمة المدنية ووزارة المالية، وبإجراءات قانونية معقدة ومحددة، تضمن الحقوق وتراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.

*ولهذا فإن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه بقوة: لماذا تُدفع وزارة العمل إلى واجهة قرار بهذه الخطورة؟ ولماذا يتم تحميلها تبعات سياسية واجتماعية قد تشعل غضباً واسعاً في الشارع الوظيفي والعمالي؟ ومن الذي طبخ هذا القرار الحقيقي خلف الكواليس؟.

*الجميع يعلم أن وزارة المالية هي المتحكم الفعلي في الهيكل الوظيفي والاعتمادات المالية والمرتبات، وهي الجهة التي تقود عادة أي اتجاه نحو تخفيض الإنفاق أو تقليص العمالة لأسباب مالية.. أما وزارة العمل فالمفترض أن تكون حارساً قانونياً يضمن العدالة والإجراءات السليمة، لا أن تتحول إلى أداة صدام مع العاملين.

*الأكثر خطورة أن القرار جاء في غياب كامل لأصحاب المصلحة الحقيقيين.. فلا إتحاد عمال السودان كان جزءاً من العملية، ولا النقابات المهنية، ولا ممثلو العاملين، وكأن آلاف الموظفين مجرد أرقام في دفاتر المحاسبة، لا بشر لديهم أسر وأطفال والتزامات وحياة كاملة معلقة بهذه الوظائف.وكأنهم بعيدون عن هم الوطن والوطنية.

*هذا الغياب ليس مجرد خطأ إداري، بل خرق واضح لمبدأ التشاور الثلاثي الذي التزم به السودان عبر اتفاقيات منظمة العمل الدولية، وعلى رأسها الاتفاقية رقم (144) الخاصة بالمشاورات الثلاثية، والتي تنص بوضوح على ضرورة التشاور مع ممثلي العمال وأصحاب العمل في أي سياسات تؤثر على العمالة والحقوق الوظيفية.

بل إن قانون النقابات نفسه يلزم بالتشاور مع النقابات في القضايا ذات الصلة بحقوق ومصالح العمال. وبالتالي فإن أي قرار يمس الوظيفة العامة دون هذا التشاور يصبح قراراً معيباً شكلاً وموضوعاً، وقابلاً للطعن القانوني والسياسي والأخلاقي.

*ثم إن السؤال الأهم الذي يطرحه الشارع اليوم: هل هذه هي أولوية الدولة الآن؟

*كان الناس ينتظرون من وزارة العمل أن تفتح أبواب الأمل للشباب، لا أبواب القلق والخوف. كنا نظن أن الوزارة ستتحرك نحو برامج إصلاح الخدمة المدنية، وتأهيل المؤسسات، ورفع كفاءة العاملين، وتحسين الأجور، وإنصاف المعاشيين الذين يعيش كثير منهم تحت خط الفقر، بعد سنوات طويلة من الخدمة والعطاء.

*كنا نتوقع رؤية وطنية لإعادة بناء الخدمة المدنية التي تعرضت لتدمير ممنهج خلال السنوات الماضية، لا سيما بعد قرارات لجنة (إزالة التمكين)  سيئة  الذكر التي شردت آلاف العاملين والمهنيين والخبراء من مؤسسات الدولة والجامعات والقطاعين العام والخاص. مهدت الطريق واسعا لحرب أبريل 2023م

*لقد دفع السودان ثمناً باهظاً لتلك السياسات الإقصائية.. عشرات الآلاف من الكفاءات غادرت البلاد، ومئات الأساتذة الجامعيين والخبراء والمهندسين والأطباء توزعوا على جامعات ومؤسسات عالمية، بينما  الدولة تفقد خبراتها المتراكمة عاماً بعد عام.كنا نظن ان وزارة العمل تجتهد الآن لوضع برامج بديله لتعويض ذلك الفاقد لا على الاجهاز على ماتبقى من الخدمة المدنية.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى