قرار إغلاق الأسواق بمحلية الخرطوم ليلا.. ردود فعل متباينة
- الأسواق تستهلك 40% من كهرباء المدينة والإغلاق يوفر مليارات الجنيهات
- دراسة: إغلاق الأسواق في الخرطوم إبان جائحة كورونا وفر 25% من وقود المولدات وخفض الجريمة بالأسواق الشعبية إلى 40 %
- خبراء: قرار الإغلاق يجب ان يشمل جميع الأسواق بالولاية وليس محلية الخرطوم وحدها
- إقتصاديون: إغلاق الأسواق ليلا ليس بدعة إبتدعتها محلية الخرطوم بل مطبق في معظم دول العالم
تحقيق ــ التاج عثمان:
أصدرت مؤخرا لجنة تنسيق شؤون امن محلية الخرطوم قرارا بإغلاق جميع الأسواق والمواقع التجارية بالمحلية عند الساعة 11 ليلا..بجانب إغلاق الكافيهات ومواقع تعاطي الشيشة بالمواقع العامة.. فهل القرار هدفه ترشيد الكهرباء غير الموجودة أصلا ام لديه دوافع أخرى؟.. وهل هناك إستثاء لقرار الإغلاق؟.. وما هي الفوائد الإقتصادية والأمنية والمجتمعية والبيئية المتوقعة من هذا القرار؟.. وما رأي التجار بأسواق محلية الخرطوم في قرار الإغلاق؟.. التحقيق التالي يجيب على هذه الأسئلة والتساؤلات وغيرها عبر هذا التحقيق.
أهداف القرار:
بعض الإقتصاديين المتخصصين في التسويق أشاروا ان قرار إغلاق الأسواق ليلا وتحديد موعدا لفتحها صباحا، ليس بدعة إبتدعتها محلية الخرطوم وحدها، بل أنه مطبق في دول كثيرة عربية واوربية،ولا يهدف لقفل أرزاق الناس، كما أشارت لذلك بعض الأصوات المعارضة للقرار، بل يهدف لتنظيم الأسواق، ولديه أهداف إقتصادية وأمنية وتنظيمية كثيرة.. ومن الفوائد الاقتصادية ترشيد إستهلاك الطاقةــ في حالة توفرها ــ وتحجيم التضخم، وحماية صغار التجار، وتنشيط الفترة الصباحية، وتقليل الهدر.. ومن الفوائد الأمنية، تقليل معدلات الجريمة، ومكافحة التهريب والسمسرة، وتقليل الحوادث المرورية بسبب تقليل الكثافة المرورية ساعات إغلاق الأسواق مساءا وصباحا، والسيطرة على التجمعات، وإتاحة الفرصة لأعمال النظافة من المحليات.. والقرار إستثنى الصيدليات، والمستشفيات، والمخابز، ومحطات الوقود، والبقالات الصغيرة داخل الأحياء، والمطاعم.. بالطبع كل هذا في ظل كهرباء مستقرة بالطبع.
دراسات الإغلاق:

هناك دراسة أعدتها بعض الدول التي طبقت نظام تحديد زمن فتح وإغلاق أسواقها في زمن محدد ، حيث أثبتت الدراسات ان السوق يستهلك في المتوسط 40% من كهرباء المدينة، ما يعني أن إغلاق السوق لمدة 8 ساعات ليلا يوفر مليارات الجنيهات متمثلة في فاتورة الكهرباء ووقود المولدات، كما ثبت انه يقلل من التضخم، والإغلاق الموحد يجعل العرض والطلب منتظم ويقلل الزيادة العشوائية في الأسعار، كما انه يحمي صغار التجار، فالتاجر الكبير لديه إمكانية فتح متجره 24 ساعة بالورديات، بينما التاجر لا يستطيح ذلك، ما يعني ان الزمن الموحد لإغلاق وفتح الأسواق يجعل المنافسة بين كبار وصغار التجار منافسة عادلة.. كما ان الزمن الموحد يجعل المشترين يحرصون على التوجه للتبضع في زمن واحد من الثامنة صباحا وحتى الرابعة عصرا مثلا، وهذا يخلق حركة بيع قوية ونشطة ويحرك الكتلة النقدية المتداولة.. كما ان القرار يمكن ان يتسبب في تقليل الهدر في بعض المواد الغذائية سريعة التلف، حيث ان التاجر يحرص الا يجلب بضاعة بكميات كبيرة حتى لا تفسد لمحدودية ساعات فتح الأسواق.
وإستنادا لبعض الدراسات التي أجرتها بعض الدول العربية التي طبقت النظام الموحد لأسواقها، ثبت ان 70% من جرائم السرقة والنهب والنشل تحدث بعد العاشرة مساء في الأسواق، فإغلاق الأسواق مبكرا يعني إغلاق بؤر الجريمة داخل الأسواق.. كما أنه يسهل عمل الشرطة التي تقوم بحماية ومراقبة الأسواق ليلا بتقليل الدوريات ونقاط الحراسة داخلها خلال فترة الإغلاق.. كما ان توحيد وتحديد فترة الإغلاق يتيح فرصة كافية لراحة عمال التحميل والنظافة، ويساعد المحليات على نظافة أسواقها بعد الإغلاق لخلوها من الباعة والمشترين والعمالة، بجانب إنعدام حركة المرور وتكدسها بالأسواق.
تجارب ناجحة:
هناك دول طبقت النظام الموحد لفتح وإغلاق أسواقها، منها على سبيل المثال، المملكة العربية السعودية، والتي حددت منذ عام 2020 الإغلاق عند العاشرة مساء، ووفرت بسبب ذلك 30% من إستهلاك الكهرباء.. ونفس الحال في مصر التي سبق ان أصدرت قرار بإغلاق الأسواق من العاشرة مساءا صيفا، والتاسعة مساء شتاءا.. وهناك تجربة جماعية لإغلاق الأسواق بمعظم دول العالم فرضتها جائحة كورونا حيث أغلقت معظم دول العالم أسواقها إما كليا او خلال ساعات محدودة عدا متاجر الأحياء والصيدليات، حتى المطاعم فرضت عليها بعض الدول عدم إستقبال الزبائن والإعتماد على توصيل الطلبات للزبائن في منازلهم عبر الدلفيري، والسودان كان واحدة من الدول التي فرضت قرار إغلاق الأسواق أثناء جائحة كورونا.. وثبت ان الدول التي أغلقت أسواقها أيام تلك الجائحة وفرت كميات كبيرة من الكهرباء كانت تذهب لإستهلاك الأسواق، كما تلاحظ إنخفاض معدلات الجريمة، بينما تنفست شرطة المرور الصعداء حيث ان كورونا جعلت الشوارع خالية من العربات وحركة المرور الكثيفة، كما كان حادثا بالطريق الذي يشق سوق ليبيا بامدرمان، حيث كان يشهد تكدسا هائلا للسيارات لدرجة أن السيارة لا تستطيع عبور السوق إلا بعد قرابة الساعتين.
وأشارت دراسة إقتصادية سودانية أن إغلاق الأسواق في السودان إبان جائحة كورونا من السادسة مساء تسبب في توفير 25% من وقود المولدات التي لا يخلو منها متجر بسبب قطوعات الكهرباء، كما إنخفضت جرائم السرقة والنشل والنهب بنسبة 40% بالأسواق الشعبية بولاية الخرطوم.
تعميم التجربة:
خبراء إستطلعنا رأيهم حول مدى نجاح تجربة توحيد إغلاق الأسواق ليلا وفتحها صباحا في زمن موحد بالسودان، فاشاروا ان نجاح التجربة يعتمد على بعض الآليات، منها على سبيل المثال ضرورة التدرج في إغلاق الأسواق بحيث تبدأ مثلا من الثامنة مساء لمدة شهر على الأقل، بعدها تتقلص الفترة إلى السادسة مساء، وفي الفترات الصباحية فتح الأسواق في زمن موحد مثلا من العاشرة او التاسعة صباحا لتلافي زحمة خروج الموظفين والعمال لأعمالهم في الصباح.. ولنجاح التجربة أيضا يجب ان تصاحبها حملات توعية عبر وسائل الإعلام المختلفة، والمساجد، ولجان الأحياء، مع ضرورة تشجيع التجارة الإلكترونية، وإتباع نظام الديلفيري في توصيل طلبات المأكولات والأدوية للمنازل، مع التنسيق والمشورة مع إتحاد أصحاب العمل قبل إصدار القرار وتحديد مواعيد إغلاق وفتح الأسواق.. مع ضرورة مراعاة تخصيص فترة سماح بدون غرامات قبل تطبيق قرار الإغلاق.
كما يشيرون ان تجربة محلية الخرطوم ليست كافية لوحدها، بل يجب أن يشمل القرار كل محليات ولاية الخرطوم، بزمن موحد متفق عليه لكل الولاية، حيث ان الأسواق التابعة لمحلية الخرطوم قليلة منها على سبيل المثال: (السوق العربي ــ السوق الأفرنجي ــ السوق الشعبي ــ سوق السجانة ــ السوق المركزي للخضر والفاكهه ــ سوق الأستاد او جاكسون ــ سوق الجمعة)، وكل هذه الأسواق أصلا لا تعمل بعد المغرب، حتى في ظل إستقرار الكهرباء قبل الحرب، وتحديد زمن الإغلاق عند الساعة 11 مساء لا معنى له، وعلى المحلية إستبداله من الساعة 10 او 11 صباحا كزمن لفتح الأسواق وحتى الساعة السابعة مساءا .. والبعض إنتقد زمن الإغلاق الذي إختارته محلية الخرطوم لإغلاق أسواقها وهو عند الساعة 11 ليلا معتقدين انه زمن متأخر وعادة معظم أسواق محلية الخرطوم تغلق منذ العاشرة او التاسعة مساء وبعده عند المغيب، ويرون انه من الأجدى ان يبدأ الإغلاق من السادسة او السابعة مساء، وفتح الأسواق من التاسعة او العاشرة صباحا.. ويتوقع انه لو طبقت محليات ولاية الخرطوم (مجتمعة) قرار توحيد فتح وإغلاق الأسواق فالنتيجة المتوقعة ستكون توفير 30% من الكهرباء ووقود المولدات، وإنخفاض الجريمة بنسبة 40% حسب خبراء الجريمة، خاصة في ظل أزمة الكهرباء الخانقة التي تشهدها ولاية الخرطوم حاليا.