آخر الأخبار

تصريحات جبريل عن الدمج.. هل تتحول لجدول زمني وترتيبات تنتهي بجيش واحد؟

تقرير- الطيب عباس:
أعاد إعلان رئيس حركة العدل والمساواة، جبريل إبراهيم، استعداد الحركة لدمج قواتها في القوات المسلحة السودانية، وفق بروتوكول الترتيبات الأمنية الوارد في اتفاق جوبا للسلام، أعاد ملف مستقبل الحركات المسلحة والقوات المشتركة إلى واجهة المشهد السوداني، في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة، بينما تتسع الحاجة إلى إعادة بناء مؤسسة عسكرية موحدة وضبط الأمن في المناطق الخاضعة لسيطرة الدولة.
وتكتسب تصريحات جبريل أهميتها من كونها تأتي قبل انتهاء الحرب، خلافاً للتصور الذي قد يربط دمج القوات بمرحلة ما بعد توقف القتال. لكن السؤال الأهم هو، هل انتقلت العملية من مجرد إعلان سياسي إلى ترتيبات تنفيذية فعلية؟.
بحسب مراقبين لا تبدو تصريح جبريل إبراهيم، في حد ذاتها، البدء الفعلي في إجراءات عملية الدمج، لكنها تأتي في سياق ترتيبات بدأت الدولة والحركات تناقشها بصورة أكثر جدية خلال 2026
وكان رئيس هيئة الأركان الفريق ياسر العطا قد دفع باتجاه تسريع دمج القوات المساندة، فيما تحدثت تقارير عن تحركات ومشاورات بين الجيش والحركات الموقعة على جوبا بشأن آليات الدمج والضمانات السياسية المرتبطة به.. كما سبق أن أعلن مني أركو مناوي أن القوات المشتركة تمضي نحو الدمج.
لكن البدء الفعلي الكامل يتطلب إجراءات تتجاوز الإعلان السياسي، تشمل حصر القوات، وتصنيف الأفراد، وتحديد المؤهلين للخدمة، والتدريب، ثم توزيعهم داخل وحدات القوات المسلحة وفق معايير مهنية.
كما أن نجاح الخطوة يتوقف على موقف بقية الحركات الموقعة على اتفاق جوبا، ومدى استعدادها للسير في الاتجاه نفسه، إذ إن بقاء قوات مسلحة خارج عملية الدمج سيُبقي مشكلة تعدد مراكز القوة قائمة.

مرجعية جوبا:

حدد اتفاق جوبا للسلام الترتيبات الأمنية بوصفها أحد الأعمدة الرئيسية لإنهاء الصراع، ومن بينها معالجة أوضاع القوات التابعة للحركات المسلحة عبر الدمج والتسريح وإعادة الإدماج وفق الترتيبات المتفق عليها.
ومن الناحية السياسية، يمثل الاستناد إلى البروتوكول الأمني محاولة لإعادة وضع عملية الدمج داخل إطار قانوني وسياسي سبق أن وافقت عليه الأطراف.
لكن الواقع تغير بصورة كبيرة منذ توقيع الاتفاق؛ فقد اندلعت الحرب في أبريل 2023، وظهرت تحالفات عسكرية جديدة، وتغيرت خريطة السيطرة، كما شاركت قوات الحركات في القتال إلى جانب الجيش ضد المليشيا.
لذلك فإن تطبيق الترتيبات الأمنية اليوم ربما لن يكون نسخة مطابقة لما كان مقرراً قبل الحرب، وإنما سيحتاج إلى تكييف عملي مع الواقع العسكري الجديد، مع الحفاظ على مرجعية اتفاق جوبا باعتباره الأساس السياسي للترتيبات.
بالنظر لما يمكن أن يدور في الأذهان، فإنه قد يبدو الحديث عن الدمج قبل انتهاء الحرب سابقاً لأوانه، لكن استمرار الحرب يمكن أن يكون في الوقت نفسه سبباً لتعجيل العملية.
فمن جهة، تحتاج القوات المسلحة إلى توحيد القيادة والسيطرة في مواجهة خطر تعدد التشكيلات المسلحة داخل المناطق الخاضعة للدولة.
ومن جهة أخرى، فإن دمج قوات الحركات أثناء الحرب يحمل مخاطر، أبرزها صعوبة تنفيذ عملية إعادة الهيكلة والتدريب بصورة طبيعية، واحتمال نقل خلافات الحركات السياسية والقبلية إلى داخل المؤسسة العسكرية.
لذلك غالبًا ما تلجأ قيادة الجيش إلى اعتماد دمج تدريجي ومنظم يبدأ بالترتيبات الإدارية والتدريبية وتوحيد القيادة والانضباط، لتجنب ما قد يسببه الاستيعاب الجماعي السريع من مشكلات.
وفق مراقبين فإن توحيد السلاح والقيادة يمثلان أحد أهم الشروط للسيطرة على التفلتات الأمنية. فوجود تشكيلات مسلحة متعددة، حتى عندما تكون متحالفة سياسياً وعسكرياً مع الدولة، يخلق في بعض المناطق تعدداً في مراكز القوة، ويجعل مساءلة الأفراد عن المخالفات أكثر تعقيداً
ومن هنا، فإن إدخال هذه القوات تدريجياً تحت سلسلة قيادة واحدة وقواعد انضباط واحدة يمكن أن يسهم في الحد من ظواهر حمل السلاح خارج الأطر الرسمية، ويجعل أي تجاوز فردي قابلاً للمحاسبة عبر المؤسسة العسكرية والقانون، مع وجود آليات واضحة للمحاسبة، وضبط السلاح، وتحديد المسؤوليات، ومنع استخدام الرتب والانتماءات السابقة كغطاء للتجاوزات.
في مجمل القول، أصبح وجود القوات المشتركة في عدد من مدن الشمال والوسط، خلال الحرب، جزءاً من مشهد أمني واجتماعي شديد الحساسية.
فانتقال مقاتلين ينتمون إلى خلفيات قبلية ومناطقية مختلفة إلى مدن بعيدة عن مناطقهم الأصلية، وما صاحب ذلك في بعض الحالات من تصرفات غير منضبطة وتعديات واحتكاكات، أسهم في تأجيج حساسيات عرقية وقبلية وجهوية، خصوصاً في بيئة مشحونة أصلاً بسبب الحرب والنزوح.
ومن هذه الزاوية، يمكن أن يكون دمج القوات في الجيش خطوة مهمة إذا أدى إلى إنهاء منطق (القوة التابعة للحركة أو المجموعة) واستبداله بمنطق الجندي التابع للمؤسسة العسكرية الوطنية.
لكن ذلك يتطلب أن يكون الدمج حقيقياً، لا مجرد تغيير للزي أو نقل الأفراد من تشكيل إلى آخر، لأن استمرار الولاءات السياسية والقبلية داخل التشكيلات المسلحة قد ينقل المشكلة إلى داخل الجيش بدلاً من حلها.
الاختبار الحقيقي وفقا لمراقبين سيكون في تحويل الإعلان إلى جدول زمني وترتيبات فنية واضحة، وفي انضمام بقية الحركات إلى المسار نفسه، مع تكييف اتفاق جوبا مع واقع ما بعد اندلاع الحرب.