كتاب سقوط الانقاذ… هل هو محاولة لغمض عين وفتح الأخرى ؟
- ليس جدير بالقراءة فحسب بل بالمدارسة والنقاش
- الكتاب مهم لكل المهتمين ولكن إنتماء الكاتب للانقاذ أعطاه أبعادا أخرى الدكتور ياسر يوسف
- رقم فاعل في مجموعة شباب الانقاذ المستنيريين.. ولكن
تحليل – د.إبراهيم حسن ذو النون
استعرض الدكتور ياسر يوسف القيادي بحزب المؤتمر الوطني ووزير الدولة بوزارة الاعلام
الأسبق من خلال صفحته على (الفيس بووك) بعض ملامح كتابه الجديد (سقوط الانقاذ) وواضح من العنوان التفسيري للكتاب والذي اسماه الكاتب (ثمن المواقف والاخطاء) ان يشير إلى ان مضامين قد صممت بشكل متوازن حاول من خلالها الدكتور ياسر يوسف ان يقدم مقاربة موضوعية للقصة التي بدأها العميد (وقتها) الفريق ثم المشير لاحقا عمر حسن أحمد البشير صباح الجمعة 30 يونيو1989م وختمها الفريق أول ركن أحمد عوض بن عوف صباح الخميس 11 أبريل2019م معلنا نهاية عهد الانقاذ الوطني وبعدها بيوم واحد وهو الجمعة 12 أبريل 2019م أعلن نهاية أدواره السياسية دون اعطاء اي تفسير لمبررات تخليه عن حكم البلاد والذي استمر لاقل من 36 ساعة مما أربك المشهد السياسي حتى ساعة الناس هذه وبالطبع لن يغفر له التاريخ هذا الخطأ (ولا اقول خطئية التنازل عن السلطة ) لان ذلك التنازل غير المقنع كلف البلاد اثمانا باهظة من بينها الحرب الماثلة الآن وتلك قصة اخرى
(1)

كتاب الدكتور ياسر يوسف إبراهيم من خلال المستخلص المنشور على الصفحة الخلفية للكتاب والذي صدر هذه الأيام خلال معرض استنبول
الدولي للكتاب في الفترة من 15 أغسطس إلى 23 أغسطس 2023م جاء مغايرا لكل الكتب التي
صدرت منتقدة لحكم الانقاذ سواء قبل سقوطه أو بعده إذ من الواضح حاول الدكتور ياسر يوسف إبراهيم أن يزاوج بين حصافة السياسي المحلل لما جرى من وقائع خلال سنوات حكم الانقاذ الطويلة التي قاربت للثلاثين عاما إلا شهرين وبضعة أسابيع
وبين صراحة الباحث الاكاديمي المدقق لما حدث خلال سنوات حكم الانقاذ ويظهر ذلك بجلاء من خلال العنوان التفسيري للكتاب (ثمن المواقف والأخطاء) فثمن المواقف فيه اشارة إلى أن سنوات حكم الانقاذ لم تخلو من استهداف داخلي ومحلي فسياستها العامة لم تعجب العالم من حولنا لأنها سياسة بينت على استعداء العالم من حولنا (امريكا روسيا قد دنى عذابها ) و(ناكل مما نزرع ونبي مما نصنع) و(مادايرين دقيق فينا قمحنا كثير بكفينا ) وكلها شعارات لاتتسق مع العالم من حولنا خاصة الولايات المتحدة الامريكية وحلفاءها فالاعتماد على الذات في المأكل والمشرب والملبس والتقانات المختلفة امر مرفوض بل يجلب الكثير من المشاكل.. فالقمح إداة السيطرة التي تهيمن واشنطن فيها على العالم والشعوب.. فالقمح عندها يسمى السلاح الاخضر إذ يمثل الاداة الرئيسة للسيطرة والنفوذ الجيوسياسي في العالم أما عبارة((الأخطاء) المعطوفة على (ثمن المواقف) ففيها اشارة ضمنية إلى ان الكاتب الباحث الاكاديمي الدكتور ياسر يوسف قد اخضع هذه الاخطاء للتشريح العلمي الدقيق وذلك لان مجرد ايراد كلمة الأخطاء في العنوان التفسيري للكتاب يعني ان الكاتب تعمد نسيان وضعيته السياسية وتذكر وضيعته البحثية والاكاديمية التي تفرض عليه ان يكون صارما في تحليل وقائع ما حدث خلال سنوات الانقاذ ليصل إلى ان سقوط الانقاذ كان نتيجة لحالة تلازمية بين (ثمن المواقف)التي اتخذتها وثمن (الأخطاء)التي ارتكبتها سواء أخطاء المنهج والفكرة أو أخطاء تطبيق الساسات أو أخطاء المتنفذين فيها على كل مستويات الحكم.
(2)
ينطلق الدكتور ياسر يوسف إبراهيم في تشخيص (سقوط الانقاذ ثمن المواقف والأخطاء) على فرصية تحليلية مفادها ان حكم الانقاذ في السودان هو الاطول فترة زمنية والأعقد من خلال ما واجه من تحديات ومشكلات مما جعل تجربته السياسية الأكثر تاثيرا على حاضر السودان.. فذكر بالحرف الواحد (الكتاب لا يزعم امتلاك الكلمة الأخيرة في تجربة لاتزال تداعياتها تتفاعل في حاضر السودان ومستقبله ولكنه يسعى لقراءة الاسئلة الكبرى بما يعمل على توفير ارضية تحليلية تعين على فهم التجربة في سياقاتها المختلفة بواقعية وتدعو في الوقت نفسه للشهادة والتأمل في صحيفة التاريخ التي كتب الاسلاميون روايتهم.
وقد تناول الكاتب في مادة تحليلية عددا من الجوانب المهمة في فصول الكتاب السبعة والتي اختار لها عناوين في غاية الدقة لتأثيرها المباشر على (السلوك السياسي للتجربة) و(مآلات الاستراتيجة القومية الشاملة) و(تحولات خطاب الجهاد) و(تأثير العزلة على النظام) و(مثار التجربة الاقتصادية المالية) و(الهندسة الفكرية التنظيمية لمرحلة المفاصة) ثم كتابة الفصل الأخير المتمثل في إبراز دور الفاعلين والمستترين.
(3)
واللافت للنظر ان الكاتب لم يقدم من خلال صفحات الكتاب تفسيرا تبريريا لسقوط حكم الانقاذ فحسب ولكنه أراد أن يقول إن مبررات السقوط ينبغي ان تكون خارج سياق الاحكام المسبقة مشيرا إلى أن مضامين الكتاب تقدم قراءة تحليلية متوازنة تحاول الجمع بين تتبع الوقائع وتوظيف مقاربات نظرية كمفاهيم الارهاق والإنهاك السياسي وأثر تضخم النخب وأزمات الهوية والشرعية لاستجلاء قراءة مسيرة هذه التجربة وعبر فصول سبعة متسلسلة من الواضح ان الكاتب قد استخدم منهج تحليل المضمون للوصول إلى النتائج التي توصل اليها في الفصل السابع والأخير من الكتاب.. وفي تقديري ان الدكتور ياسر يوسف إبراهيم أراد القول أن الكتاب مؤلفه (شاهد شاف كل حاجة) من خلال مواقعه التنظيمية والادارية والسياسية والاعلامية التي تقلدها وانه اتبع منهج علمي تحليلي صارم قدم من خلاله شهادة من داخل التجربة التي اخضعها للدراسة والتحليل من خلال وقائع ملفات مرحلة امتدت لقرابة الثلاثة عقود الا قليلا ..فالكتاب كان بحق تآملات وتحليلات غير عادية لمغرب شمس حكم الانقاذ الوطني في السودان الذي امتد من صباح الجمعة 30يونيو 1989م إلى صباح الخميس 11 أبريل سنة 2019م
(4)
من المهم النظر لكتاب( سقوط الانقاذ ثمن المواقف والأخطاء ) نظرة مغايرة لكل الكتب التي انتقدت تجربة الانقاذ وهي كثيرة بعضها محسوب كتابها على الانقاذ والحركة الاسلامية وبعضها على الضد والضفة الاخرى منها.. فالمحسبون على الانقاذ جاءت كتاباتهم مبينية على مرارات شخصية أو أسباب غير موضوعية أو جاءت متعجلة بعض الشئ ويمكن استثناء كتب وكتابات الدكتور التجاني عبد القادر حامد والتي جاءت مغايرة لكل من لهم علاقة بالانقاذ أو الحركة الاسلامية.. فالدكتور التجاني اكاديمي مرموق واحد القيادات الاسلامية المعروفة بجامعة الخرطوم ولها كسبها السياسي المعروف وأنه منذ ’واخر عقد الثمانيات من القرن الماضي اتجه نحو الدراسات العلمية المتعمقة وهي دراسات ما بعد درجتي الاستاذية والدكتوراة وقد اتاحت له خبراته الاكاديمية من تقديم نصح هادئ وموضوعي لقيادات الانقاذ الوطني ولعل مستلخص كتاباته وكتبه لايخرج من محاورنقد لقضايا كلية اسهمت في النهاية في سقوط الانقاذ والفرق الواضح بين كتاب الدكتور ياسر يوسف (سقط الانقاذ ثمن المواقف والأخطاء)وكتاب الدكتور التجاني عبدالقادر حامد إذ أن الاول قدم رؤيته من خلال تجربة (البيان بالعمل) بينما الثاني قدم رؤيته في كتابه (نزاع الاسلاميين في السودان) مقالات في النقد والاصلاح ولكن ما أعيب عليها إنها كانت من بعد.
عموما فالكتاب ليس محاولة من الكتاب لفتح عين وغمض اخري كما قد يظن البعض قبل اطلاعهم
على متن الكتاب فمن المهم قراءته بعمق وبعيدا عن الرأى المسبق لتجارب الاسلام السياسي في العالم والتي مثلت الانقاذ احداها فالكاتب فاعل في مجموعات شباب الاسلاميين المستنريين وبالتالي فان الكتاب ليس جدير بالقراءة وحسب وانما يحتاج للمدارسات والمناقشات لأنه في تقديري يمكن ان يدخل في أدبيات ومراجعات
الاسلاميين حتى لو كان كاتبه قد كتبه بصفته الشخصية برغم انه قد يستعصي على القارئ العادي استدراك خلاف ذلك.