آخر الأخبار

الشمالية تحترق لغياب لكهرباء وإرتفاع درجة الحرارة غير المسبوقة

  • الكهرباء تتحول إلى قضية حياة أو موت والأهالي يتذمرون والمأساة تفوق الوصف
  • المواطنون يلجأون لثلاجات الأجداد لتبريد مياه الشرب والهبابات لتلطيف الجو
  • البيوت تحولت لأفران.. والسكان يحتمون بالأشجار هربا من درجة الحرارة
  • تفشي حمو النيل والتسلخات الجلدية وسط المواطنين بسبب الحرارة المرتفعة

 

مروي ــ عادل الحاج:
في وقت تتجاوز فيه درجات الحرارة بالولاية الشمالية حاجز الخمسين درجة مئوية يعيش المواطنون تحت وطأة إنقطاع مستمر للتيار الكهربائي إمتد لنحو عشرين يوما لم يتكرم التيار الكهربائي الأوصولأجزاء كبيرة من الولاية الشمالية ولو ليوم بإستثناء دنقلا التي تنعم بالكهرباء.. المشهد الذي عاشته (أصداء سودانية ) ميدانيا هناك حول حرارة الصيف الملتهب هذا العام إلى معاناة يومية قاسية وموجعة وكارثية.. لم تعد الكهرباء بالنسبة للمواطن السوداني خدمة يمكن الإستغناء عنها او ترفا من رفاهيات الحياه.. الكهرباء أصبحت مرتبطة بكل مقومات الحياة: الماء والصحة والزراعة والتعليم والتجارة والصناعة وحفظ الأغذية والأدوية وبأبسط تفاصيل الحياة اليومية.. التحقيق التالي يكشف ميدانيا الآثار المختلفة الناجمة عن الإنقطاع المستمر والغريب للتيار الكهربائي ببعض مناطق الولاية الشمالية.
عودة الهبابة:


في ظل الحرب وما خلفته من أضرار واسعة في البنية التحتية، يجد المواطن نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: حرارة خانقة من جهة، وظلام وانقطاع للخدمات من جهة أخرى، وأبدى عدد كبير من مواطني الولاية الشمالية تذمرهم من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن طول فترة القطوعات تجاوز حدود الإحتمال.. المواطن، عبد المنعم بشرى الحاج، من حسينارتي بالولاية الشمالية محلية الدبة، وهو مريض بالسكري، يقول ان إنقطاع الكهرباء أصبح يمثل له معاناة مضاعفة، إذ يضطر إلى البحث عن وسائل بديلة للحفاظ على برودة الأنسولين، في ظل حاجة الدواء إلى درجات حرارة مناسبة للحفاظ على جودته ويضيف:
لقد تعبنا حقاً من إنقطاع الكهرباء، وأعاني كثيراً في سبيل توفير ماء بارد أو وسيلة تبريد مناسبة لحفظ الأنسولين، وكثير من أهالي الولاية لجأوا إلى (الهبابة) االمصنوعة من سعف النخيل لإستخدامها كمروحة يدوية لتخفيف شدة الحرارة القاتلة..كما عاد كثير من المواطنين للقرب ــ جمع قربة ــ لتبريد مياه الشرب.. وظلت الأسر تقضي طيلة النهار الساخن تحت الأشجار طلبا للظل للحماية من درجة الحرارة العالية داخل البيوت، اما الأطفال فمعاناتهم من إنقطاع الكهرباء وإرتفاع درجة الحرارة لا توصف، حيث تسمع صراخهم طيلة الليل من الجو الساخن والخانق.
أزمة حقيقية:
شهادة المواطن، عبد المنعم بشرى، تختصر جانباً من أزمة تتجاوز مجرد غياب الإنارة أو توقف المراوح، فهناك مرضى يحتاجون إلى التبريد، وأسر لديها أطفال وكبار سن، وأشخاص يعانون من آثار الحرارة الشديدة، بينما تتحول المنازل نهاراً إلى أماكن شديدة السخونة أشبه بالأفران، ولياليها إلى ساعات طويلة من الأرق والمعاناة.
ومع إرتفاع درجات الحرارة، تنتشر المشكلات الجلدية المرتبطة بالحرارة والتعرق، ومنها حمو النيل، والتسلخات الجلدية التي يعاني منها كثير من السكان في الأجواء الحارة خاصة الأطفال، مع غياب وسائل التبريد.. فكيف يستطيع مريض أن يتحمل حرارة خانقة بلا مروحة أو تكييف؟.. وكيف تستطيع أسرة قضاء ساعات النهار والليل في منزل شديد الحرارة دون وسيلة لتلطيف الأجواء؟..هنا تصبح الكهرباء مسألة صحة عامة، وليست مجرد خدمة استهلاكية.
إلتهام الإنتاج:
في هذه الظروف القاسية يجد المزارع نفسه أمام خيارين كلاهما مُر.. عدد من المزارعين لخصوا معاناتهم بسبب إنعدام الكهرباء لأكثر من ثلاثة أسابيع بقولهم:
أزمة الكهرباء في المناطق الزراعية، تتخذ أشكالاً أكثر قسوة، إذ ترتبط الزراعة بصورة مباشرة بمضخات الري، فعندما ينقطع التيار الكهربائي، يتوقف الري، ويجد المزارع نفسه أمام خيارين: إنتظارعودة الكهرباء، أو تشغيل طلمبات تعمل بالوقود إذا كان متوفراً، وبأسعار مرتفعة، وفي الحالتين يدفع المزارع الثمن.
فالإنتظار قد يعرض المحصول للعطش والخسارة، بينما يؤدي إستخدام الوقود إلى إرتفاع تكلفة الإنتاج وتقليص هامش الربح، في وقت يعاني فيه المزارعون أصلاً من إرتفاع تكاليف المدخلات الزراعية وصعوبة التسويق.
ولا تتوقف الخسائر عند الزراعة فحسب، فالمتاجر تواجه مخاطر تلف المواد الغذائية، والورش تتعطل، والمصانع الصغيرة تتوقف، والطلاب يجدون صعوبة في المذاكرة، فيما تضطر بعض الأسر إلى إنفاق أموال إضافية على الوقود أو وسائل بديلة للطاقة.
وهناك خسائر أخرى أقل ظهوراً، لكنها تتراكم مع الوقت، مثل الأضرار التي قد تلحق بالأجهزة نتيجة عودة التيار بصورة مفاجئة أو تذبذب الجهد الكهربائي.
وبذلك تتحول قطوعات الكهرباء إلى تكلفة إقتصادية يدفعها المواطن من دخله المحدود، بينما تتراجع حركة الإنتاج والخدمات.
نعمة الشمس:


يمتلك السودان نعمة إلهية وميزة طبيعية هائلة تتمثل في وفرة أشعة الشمس، وهي ميزة يمكن أن تجعل الطاقة الشمسية أحد الخيارات المهمة ضمن إستراتيجية وطنية لتنويع مصادر الطاقة.. وبالنسبة للولاية الشمالية، حيث الشمس متاحة معظم أيام العام، يمكن للطاقة الشمسية أن تلعب دوراً مهماً في تشغيل مضخات الري، وتوفير الكهرباء للمنازل والمنشآت الصحية والتعليمية، وتقليل الإعتماد الكامل على الشبكة العامة.. لكن الطاقة الشمسية وحدها ليست حلاً سحرياً لأزمة إنقطاع الكهرباء، كما أن ارتفاع تكلفة تجهيزاتها يمثل تحدياً أمام كثير من المواطنين والمزارعين،
لذلك فإن المطلوب ليس إستبدال الشبكة القومية بالطاقة الشمسية، وإنما بناء مزيج متكامل من مصادر الطاقة، إلى جانب إعادة تأهيل محطات التوليد وخطوط النقل وشبكات التوزيع.
فالبلاد التي تمتلك موارد مائية وشمسية كبيرة، تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد تجعل الطاقة جزءاً من مشروع التعافي الإقتصادي بعد الحرب، لا مجرد إستجابة مؤقتة لأزمة طارئة.. وفي المقابل، يحتاج المواطن إلى معلومات واضحة: ما حجم الأضرار التي لحقت بمنظومة الكهرباء؟ .. ما المحطات والخطوط التي تحتاج إلى صيانة؟ ..ما المدة الزمنية المتوقعة لإكمال الأعمال؟ ..وما التكلفة؟ ..وكيف يمكن ضمان إستقرار الإمداد مستقبلاً؟.
إن الشفافية في مثل هذه الظروف ليست ترفاً، بل جزء من إدارة الأزمة وبناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.. حقيقة لقد نفد الصبر المواطن فهو يريد خطة لا وعوداً، فلا أحد ينكر الظروف الإستثنائية التي تمر بها البلاد منذ إندلاع الحرب، وما خلفته من دمار طال قطاعات حيوية، من بينها قطاع الكهرباء.. لكن تفهم أسباب الأزمة لا يعني أن يبقى المواطن بلا إجابات أو حلول واضحة إلى أجل غير مسمى.
أزمات متعددة:
لقد تحمل السودانيون خلال سنوات الحرب الكثير: فقدان الأمن، وإرتفاع الأسعار، والنزوح، وتوقف الأعمال، وتراجع الخدمات، وضيق سبل العيش.. لكن إجتماع هذه الأزمات مع حرارة تقترب من 50 درجة مئوية وإنقطاع الكهرباء لأسابيع يجعل الوضع أكثر قسوة، خصوصاً على المرضى والأطفال وكبار السن وأصحاب الأعمال والمزارعين.. المطلوب اليوم خطة معلنة وواقعية وقابلة للقياس، تبدأ بالمعالجة العاجلة للأعطال، وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، وتوفير قطع الغيار والوقود عند الحاجة، ثم الإنتقال إلى حلول إستراتيجية أكثر إستدامة.
متى تنتهي المعاناة؟:


الشمالية تحديداً تستحق اهتماماً خاصاً، ليس فقط لأنها من الولايات التي تتعرض لحرارة شديدة، وإنما أيضاً لما تمثله من أهمية زراعية وإقتصادية، ولإرتباطها بمنظومة التوليد الكهربائي في البلاد.
إن إستمرار أزمة الكهرباء يهدد بأن تتحول إلى حلقة مفرغة لان إنقطاع الكهرباء يؤدي إلى تراجع الإنتاج، وتراجع الإنتاج يضعف الإقتصاد، وضعف الإقتصاد يجعل إعادة تأهيل قطاع الكهرباء أكثر صعوبة، فتتواصل المعاناة.. وهنا يصبح السؤال أكبر من: لماذا إنقطعت الكهرباء؟، بل السؤال الحقيقي هو: متى تنتهي المعاناة؟.
المواطن لا يطلب رفاهية، وإنما يريد الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة: مريض يحفظ دواءه، ومزارع يروي محصوله، وطالب يذاكر، وتاجر يحافظ على بضاعته، وعامل يدير ورشته، وأسرة تنام في منزل يمكن إحتمال حرارته
لقد عيل صبر الأهالي، وأصبحت الكهرباء قضية حياة ومعيشة وإقتصاد
نهاية الظلام:
السودان اليوم بحاجة إلى مشروع وطني لإعادة بناء قطاع الطاقة، لا إلى حلول مؤقتة تتكرر معها الأزمة كل صيف.. فالضوء ليس مجرد مصباح ينير منزلاً مظلماً، إنه ماء يُضخ، ومحصول يُروى، ودواء يُحفظ، ومريض يُطمأن عليه، ومصنع يعمل، ومدرسة تفتح أبوابها، وإقتصاد يستعيد عافيته.. وفي بلد أنهكته الحرب، قد يكون إصلاح الكهرباء أحد أهم مفاتيح العودة إلى الحياة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر المواطن السوداني إجابة واضحة عنه: هل آن الأوان لوضع نهاية لهذا الظلام؟ ومتى يرى المواطن الضوء في نهاية هذا النفق المظلم؟.