آخر الأخبار

السودان وعقدة المحاور: قراءة في الأبعاد الجيوسياسية (2)

د.عبدالرحمن كمال شمينا

تناولنا في الجزء الأول  من هذا المقال أهمية السودان كمحور رئيس في الأمن القومي لكافة الدول المشاطئة على البحرالأحمر و كذلك القرن الإفريقي مع التركيز على أهم دولتين في المنطقة  المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية و نؤكد ما أشرنا إليه في التحليل من خلال زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الى مصر و لقائه بالرئيس عبدالفتاح السيسي و تركيزهما على وحدة و إستقرار السودان و حماية مؤسساته و عدم الإعتراف بأي كيانات موازية .

في هذا  الجزء الثاني  سنتناول التأثير و التأثر للسودان غربا  في منطقة الساحل الإفريقي و من ثم نخلص الى لماذا يتم إستهداف السودان و هل يسير السودان الآن في ظل كل هذه الحروب العسكرية و الإقتصادية والإجتماعية في طريق التعافي و بناء شراكات حقيقية مع محاور قوية في ظل تعدد الأقطاب و صراع النفوذ  أم طريق الفوضى و تساوى مراكز القوى و بالتالي فقدان السيادة ؟

لقد ذكرت في لقاءات عديدة أنه بعد فشل مشروع  تمرد مليشيا الدعم السريع في السيطرة على الحكم في السودان و الهزائم الكبيرة في الخرطوم و الوسط و إتجاهها لتأسيس حكومة موازية في دارفور مع توفير السند السياسي لها ، ستبدأ هذه المليشيا في الإتجاه غربا في دول تشاد ، إفريقيا الوسطى ، مالي ، النيجر و بوركينا فاسو و ذلك لسبب هام جدا وهو الإمتداد القبلي للمكونات العرقية للدعم السريع و أيضا العودة الى أحد أهداف هذه الجماعة الممتدة و المعروفة بعربان الشتات و هو تأسيس دولة ذات نطاق جغرافي و كيان حقيقي يتم الإعتراف بها،  بأخذ أراضي الجماعات السكانية الموجودة أصلا وهو ما يعرف بالتغيير الديموغرافي.

و وفقا لهذا المفهوم يمكننا تفسير الإحتكاكات المسلحة بين الدعم السريع و الجيش التشادي و كذلك ضلوع الدعم في دعم التمرد الأخير في النيجر بهدف إعادة محمد بازوم الى السلطة والذي تربطه الوشائج القبلية بحميدتي ، و على الرغم من المشكلات الأمنية الكبيرة في منطقة الساحل الإفريقي خاصة في دول الساحل الثلاثة حيث تنشط الجماعات الإرهابية و الجريمة المنظمة المرتبطة بالهجرة غير الشرعية و الإتجار بالبشر و المخدرات و تجارة السلاح إلا أن هناك وعي جمعي بمخاطر هذه المشكلات  وظهر ذلك في مؤتمر كوتونو ببنين في يوليو الماضي والذي نظمته اتحاد الجمعيات الإسلامية في غرب أفريقيا، منظمة الشباب المسلم في غرب أفريقيا ، جمعية المثقفين المسلمين في بنين و وشبكة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية في بنين تمت الإشارة بشكل واضح الى خطر إمتداد حرب السودان الى الساحل الإفريقي و أيضا لا بد أن نشيرهنا الى المحادثة الهاتفية بين السيد رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان مع السيد قائد المجلس الإنتقالي العسكري في النيجر الجنرال عبدالرحمن تياني بهدف التنسيق الأمني و الإستخباراتي بين البلدين حيث العدو المشترك مما يدل على وعي القيادات على مخاطر هذه الجماعات المتطرفة الخارجة عن القانون.

وعليه من الواضح أن الخطر أصبح أكبر و ممتد و لا ينحصر مكانيا في حدود السودان الجغرافية حيث أن إنتشار نشاط الدعم السريع يعني الفوضى و الإرهاب و جرائم ضد الإنسانية و الأخطر من ذلك في تقديري التنسيق و التعاون مع الجماعات المسلحة الإرهابية المنتشرة في الساحل و التي  لها تعاون وتنسيق مع  جماعة الشباب الصومالية ، إذن الخطر ممتدد شرقا و غربا مما يهدد الكل و أن النقطة المحورية و المفصلية  هي السودان و بالتالي إستقرار السودان يعني إستقرار كافة الإقليم.

و بما أن كل هذه المنطقة (منطقة الساحل الإفريقي الكبير) الممتد من شرق إفريقيا الى غربها تخضع لصراعات  نفوذ و تحالفات  القوى ذات الأقطاب المتعددة الولايات المتحدة الأمريكية و فرنسا وكذلك روسيا و الصين و تركيا من ناحية أخرى ،  لا يمكن أن  يظل  السودان بكل تلك الجغرافيا و كل الثراء و التنوع الحضاري و السكاني  و الثقافي  و المواردي بشكله الحالي و بالتالي فإن إستهدافه و تقسيمه يمثل البداية الحقيقية لإعادة تشكيل كل المنطقة.

هل يسير السودان الآن في ظل كل هذه الحروب العسكرية و الإقتصادية والإجتماعية في طريق التعافي و بناء شراكات حقيقية مع محاور قوية في ظل تعدد الأقطاب و صراع النفوذ  أم طريق الفوضى و تساوى مراكز القوى و بالتالي فقدان السيادة ؟

في تقديري أنه بعد السيطرة العسكرية للقوات المسلحة السودانية و القوات المساندة لها بدأت الآن الحرب الإقتصادية و الإجتماعية من خلال خلق الأزمات  الإقتصادية المتتالية و كذلك حرب المخدرات لهدم الشباب الذي يمثل قرابة ال 70% من تعداد السودانيين و عليه لابد من للسلطة في السودان بشقيها العسكري و المدني و بكل تحالفاتها إيجاد إستراتيجيات فعالة و خطط قصيرة المدى للحفاظ على السيادة وهنا لا أعني سيادة الحدود الجغرافية فقط بل أقصد سيادة القرار المبني على تحالفات و تفاهمات حقيقية تعتمد على مصالح إستراتيجية تتم مراجعتها و تفنيدها وفق مقتضى الحال ، و إذا لم يتم ذلك فإننا بلا شك نسير نحو تقسيم غير مرئي تتساوى فيه مراكز القوى و بالتالي الفقدان الناعم للسيادة الوطنية.