
حين تصبح التفاهة بطلا
د. أحمد علي قلم
*اليوم تتكاثر مهرجانات العري والتفاهة، ويتصدر المشهد كثير من الساقطين والساقطات أخلاقيًا عبر وسائل التواصل، بلا رقيب ولا معيار تتجه أنظار أطفالنا إليهم إلى الغناء والرقص، إلى الميوعة والفراغ، وإلى ملاعب نتقاتل فيها على ألقاب لا نعرف في ماذا ننتصر؟ وعلى ماذا؟ وضد من؟ آلاف المغنين والمغنيات والرياضيين حولنا لا يشبعون جائعًا، ولا يخففون أنين مريض، ولا يبنون سقفًا لمشرد، لكنهم يتصدرون الشاشات، ويحتلون القلوب، ويُقدَّمون كأبطال عصرنا.
*لا أقول إنها مؤامرة، ولا أرفع راية الخطر، ولا أزعم أننا نهلك، لكنني أقول بصدق موجع حين نفرش السجادة الحمراء للفن والرياضة،
وننسى المعلم، والطبيب، والعامل، والباحث، والجندي، والفلاح، فنحن نعيد ترتيب القيم… في الاتجاه الخطأ.
*حين يصبح فوز فريق نشيد وطن، ويصير لقب مغنٍ إنجاز أمة، وحين يجني لاعب في ليلة ما لا يجنيه معلم في عمره، فنحن لا نحتفل بل نتنازل عن مبادئنا وأخلاقنا ومسؤولياتنا بصمت.
*علّموا أطفالنا أن العري ليس بطولة، وأن الابتذال ليس حرية، وأن قلة الأدب ليست شجاعة علّموهم أن الأسطورة الحقيقية ليست في الشهرة ولا في المال، بل في القيم، والعلم، والأخلاق، وفي الأثر الطيب الذي يبقى.
*الأسطورة هو من بنى وطنًا، أو علّم أجيالًا، أو أنقذ حياة، أو دافع عن حق، أو ضحّى من أجل غيره من حق الطفل أن يعرف أن العالِم، والمفكر، والمربي، والطبيب، والجندي… أساطير.. وأن من يخدم الناس بصدق أسطورة وأن من يحافظ على أخلاقه في زمن الانحلال أسطورة.
*علّموا أطفالنا أن المجد في العلم،
وأن الكرامة في العمل، وأن العطاء هو البطولة الحقيقية شجّعوهم حين يجتهدون، واحتضنوهم حين يخطئون، وعلّموهم أن الحياة ليست مسرحًا ولا ملعبًا فقط، بل رسالة ومسؤولية
كفانا لهوًا بلا وعي، وكفانا صناعة قدوات من شهرة عابرة، نريد قدوات تبني مجتمعاتنا فالأمم لا تنهض بالأغاني، ولا تُبنى بالمباريات وحدها،
بل تُصنع بالعقول التي تفكر، والقلوب التي تحب، والسواعد التي تعمل.