آخر الأخبار

فشل تجربة (حكومة) ميليشيا الدعم السريع(2)

ضل الحراز
علي منصور حسب الله

التحالفات الخارجية الهشة والتحديات السيادية
*في الحلقة الأولى من هذا المقال تناولنا السياق العام لتجربة ما تُعرف بـ(حكومة التأسيس) التي أعلنتها ميليشيا الدعم السريع كذراع سياسي موازٍ في لحظة تمرد مفتوح على الدولة السودانية وخارج أي إطار قانوني أو دستوري أوضحنا كيف وُلد هذا المشروع من رحم الفوضى وافتقر إلى أي شرعية داخلية أو دولية واصطدم برفض شعبي عارم وتجاهل إقليمي ودولي كشف هشاشته البنيوية في هذه الحلقة ننتقل إلى تفكيك البُعد الإقليمي والدولي لتحالفات المليشيا والوقوف على فشل الرهان على عمق خارجي غير مستقر وسقوط وهم الاستقواء بالخارج في وجه الدولة السودانية:

*أولًا :الإمارات من الاحتضان التكتيكي إلى الانكفاء المرحلي: لا يمكن الحديث عن الدعم السريع دون الإشارة إلى الدور المحوري الذي لعبته الإمارات العربية المتحدة والتي شكّلت لفترة ليست قصيرة الحاضنة الأساسية للمليشيا على الصعيد المالي واللوجستي وحتى الإعلامي إلا أن هذا الدعم لم يكن يومًا استراتيجيًا بمعناه الحقيقي بل وظيفيًا ومصلحيًا فالإمارات استخدمت المليشيا أداة ضمن صراعها الجيوسياسي في الإقليم لا سيما في البحر الأحمر والقرن الإفريقي لتقويض نفوذ خصومها أو تحقيق توازنات إقليمية خصوصًا ضد محور القاهرة والرياض لكن هذه العلاقة تواجه اليوم ثلاثة اختلالات جوهرية وهي:
1- الافتقار للشرعية الدولية وهو ما يجعل أي دعم مباشر من الإمارات للمليشيا عبئًا دبلوماسيًا لا يمكن الدفاع عنه في المحافل الدولية خاصة في ظل الضغوط الحقوقية المتزايدة.
2- تحولات إقليمية متسارعة منها عودة سوريا للجامعة العربية والتحولات في علاقات الخرطوم الخارجية وتصاعد جهود إعادة السودان إلى المسار الدستوري وهي تطورات دفعت الإمارات إلى إعادة تموضع تدريجية حفاظًا على مصالحها
3- تقارير حقوقية دولية متزايدة تُلاحق المليشيا باتهامات جسيمة تشمل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ما يحرج داعميها ويهدد بعزلهم دبلوماسيًا
النتيجة أن الدعم الإماراتي بدأ يتآكل تدريجيًا في ظل تزايد كلفة ارتباطه بمليشيا لا تملك مقومات الدولة وتُهدد بتعميق الفوضى الإقليمية بدلًا من تحقيق أي استقرار.

*ثانيًا :تحالفات جوار بلا جذور كينيا وجنوب السودان وتشاد:
1- كينيا: سعت ميليشيا الدعم السريع إلى توظيف بعض علاقاتها داخل كينيا واستطاع بعض ممثليها الوصول إلى العاصمة نيروبي حيث استُقبلوا ضمن تحركات إيغاد. لكن هذا الحضور لم يكن اعترافًا بسيادة أو بشرعية (حكومة التأسيس) بل ورقة ضغط ظرفية داخل أجندة إقليمية لا تملك أي عمق أو التزام طويل الأمد وإن أي تحول سياسي في الإيغاد أو تصعيد دولي ضد المليشيا كفيل بأن يدفع كينيا إلى قطع هذا التواصل المؤقت دون تردد.
2- جنوب السودان: العلاقة مع جوبا كانت دومًا مشوبة بالحذر والشك استغلت المليشيا بعض القنوات الشخصية داخل النظام في جنوب السودان لفتح مسارات تهريب ودعم لوجستي لكن هذه العلاقة غير مؤسسية وتعاني هشاشة واضحة لا سيما في ظل خشية جوبا من تمدد الصراع السوداني نحو حدودها المتفجرة أصلًا
ويُرجح أن تنهار هذه العلاقة بمجرد حدوث أي تغير ميداني حاسم أو تصعيد دولي مباشر.
3- تشاد:تمثل تشاد واحدة من أكثر الحالات تعقيدًا فرغم ما راج عن دعم سري ومرونة حدودية تجاه تحركات المليشيا إلا أن نظام محمد إدريس ديبي لا يستطيع تحمّل كلفة الارتباط العلني بجهة مسلحة متمردة ضد حكومة معترف بها إقليميًا ودوليًا فالمصالح الأمنية والتعاون الاستراتيجي بين تشاد وكل من فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تضع قيودًا صارمة على أي انحياز مباشر للمليشيا إضافة إلى أن التركيبة القبلية المتداخلة عبر الحدود تشكل قنبلة اجتماعية تهدد الداخل التشادي في حال تصعيد الصراع أو تعميق الارتباط بدارفور.
*ثالثًا: وهم التمدد إلى القرن الإفريقي جوبالاند وبونتلاندزفي خطوة تكشف حجم الارتباك الجيوسياسي اتجهت مليشيا الدعم السريع إلى محاولة التواصل مع كيانات شبه مستقلة مثل إقليمي جوبالاند وبونتلاند في الصومال ظنًا أنها قد تُمثل منفذًا لشرعية خارجية أو دعم رمزي عبر فتح ميناء ومطار بصاصو لنقل المرتزقة عابري الحدود إلى دارفور تحديدا إلى مطار نيالا لكن هذه المحاولات حول حكومة مليشيا الدعم السريع تصطدم بجملة من الحقائق فالإقليمان لا يتمتعان باعتراف دولي ككيانات مستقلة بل هما جزء من دولة ذات سيادة (الصومال) وأي تعامل مع مليشيا متمردة يُعد انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي في وقت بدأت فيه بالفعل حكومة الصومال المركزية تعزيز تعاونها الأمني والدبلوماسي مع السودان ما يجعل أي تحرك من جوبالاند أو بونتلاند باتجاه دعم المليشيا بمثابة انتحار سياسي لا يمتلك هذان الكيانان أي قدرة فعلية على توفير دعم سياسي نوعي للمليشيا وهو ما يُفرغ العلاقة من أي قيمة استراتيجية.
*رابعًا: التحديات السيادية وفقدان الاعتراف والمعضلة الأساسية التي تُقوّض مشروع (حكومة التأسيس) ليست فقط في طبيعة تحالفاتها بل في غياب صفتها السيادية ومليشيا الدعم السريع لا تمثل دولة معترف بها ولا تملك أي صفة قانونية أو دستورية لذلك نجد أن هجمات الجيش على مواقع المليشيا تُعد عمليات استعادة شرعية داخلية وليست اعتداءً على كيان سيادي.
*أي منشأة أو هيكل أو إدارة أنشأتها المليشيا يُعد هدفًا مشروعًا بموجب القانون الدولي ولا يتمتع بأي حماية قانونية.
*بينما المجتمع الدولي لا يعترف بأي من مؤسسات (حكومة التأسيس) مما يجعلها مكشوفة سياسيًا وعسكريًا وإعلاميًا

*خامسًا: النتائج المحتومة والانهيار المُنتظر
تُظهر كل المؤشرات أن تجربة (حكومة التأسيس) تُعاني من عزلة خانقة داخليًا وخارجيًا ومرفوضة شعبيًا حتى في مناطق سيطرة المليشيا وتُدار من الخارج دون قاعدة مؤسسية أو خدمية تُذكر ومحاصرة دوليًا ومجردة من أي اعتراف إقليمي فاعل وقائمة على تحالفات وظيفية قابلة للانهيار في أي لحظة إن مشروعًا بهذا القدر من الهشاشة لا يُمكن له أن يصمد طويلًا أمام إرادة شعبية رافضة ودولة تُعيد بناء شرعيتها وتحالفات وطنية متقدمة على الأرض
إن تحالفات مليشيا الدعم السريع الخارجية ليست سوى فقاعات سياسية مؤقتة تتغذى على فراغ الشرعية وتكتيكات المحاور لكنها لا تصمد أمام الواقع الميداني والحقائق السياسية ومع كل تقدم تُحرزه الدولة السودانية يضيق الخناق أكثر على المليشيا وتتهاوى واجهاتها السياسية والإعلامية واحدة تلو الأخرى و(حكومة التأسيس) ليست إلا واجهة سياسية لواقع عسكري آيل للسقوط.
*والمعادلة واضحة لا شرعية بلا سيادة ولا سيادة بدون اعتراف ولا اعتراف بمن يقتل شعبه ويغتصب دولته.