آخر الأخبار

سنوات قبل الرابعة

خديجة ضالع – الجزائر:

لم ينتهِ زواجي بضجيج بل ذبل كما تذبل الأشياء حين تُترك طويلاً في الانتظار لم يكن بيننا شجار صاخب ولا خيانة تُروى فقط (رحم) لم يجب عن أسئلة الناس فتحول إلى ساحة اتهام تسللت الأصوات من الخارج ما الأخبار أما من طفل فلان (عجوز تزوج وأنجب ) كان كل سؤال يفتح شقاً جديداً في جدار حياتنا في البداية كنا نصمت معاً ٫ثم صار الصمت بيننا٫ حتى استوطن فينا٫ فلم نعد نرى بعضنا بل نرى ما ينقصنا فقط وحينها خرج كل منا بهدوء من حياة الآخر أن تكوني مطلقة ليس ذنباً ولا عاراً لكنهم جعلوه كذلك وكأن لعنة حلت بي حاصروني بأسئلتهم لِمَ لم تنجبي من السبب أنتِ أم هو كنت كمن يقف أمام محكمة بلا محامٍ زيفوا أسباب الطلاق ورموني بتلك الكلمة التي يشهرونها في وجه كل امرأة خرجت من عباءة رجل هجّالة قالوا عني عاقر وكأنهم يملكون مفاتيح الغيب لكن قلبي لم يهتز فأنا أعلم من يهب المال والبنين وأوقن أن العدالة ليست دائماً على ألسنة الخلق بل في حكمة الخالق عدت إلى غرفتي التي زُففت منها يوماً وأبي يبارك زواجي عدت بوجع أكبر فلا شيء كما كان ولا أنا كما كنت ولا أبي هناك في ليل الطلاق بكيت الأمان الذي سُحب مني والاسم الذي سقط والمكان الذي لم يعد لي بكيت نفسي حين أدركت متأخرة أنني كنت أقاتل وحدي بعد عام لم أكن أبحث عن بداية بل عن نفس أتنفسه دون ضيق عن مساحة أضع فيها قدمي دون أن أرتجف قررت الالتحاق بمركز التكوين المهني لتعلم الإعلام الآلي كان القرار كفيلاً بإشعال فتيل الرفض والغضب في البيت لا لشيء إلا لأنني مطلقة طرحت الأمر على أخي الأصغر فانفجر غضباً هل جننتِ كيف تدرسين وأنتِ(مطلقة) لم أستسلم هاتفت أخي الأكبر كان في سفر فأجابني بثبات سجلي وادرسي لن أسمح لأحد أن يمنعك من النهوض وأنا في طريقي إلى التسجيل انقطع نعلي في منتصف الطريق كان بإمكاني أن أعتبرها علامة شؤم وأعود لكني نزعت دبوساً من حجابي ثبتُّ به نعلي ومضيت حين عدت استقبلني أخي الأصغر بحدة قائلاً من اليوم لا شأن لي بك وقفت أمام كلماته صامدة فقد أدركت أن الطريق الذي اخترته لا يقبل أنصاف القلوب في صباحي الأول دخلت قاعة الدراسة بنقابي ولباسي الفضفاض كأنني أخفي امرأة خرجت لتوها من حرب كانت نظرات البنات تلاحقني بفضول وأستاذ المعلوماتية يتحدث بلغة كأنها من كوكب آخر أعود إلى البيت محملة بما لا تراه العين صداع كأن دماغي يعاد تشكيله بسكين ومطرقة أصلي الظهر وأسقط في نوم عميق حتى يأتيني صوت أمي خديجة هل أنت حية أم ميتة كان صوتها وهي توقظني للدراسة يعيدني إلى طفولتي حين كانت تسرح شعري وترتب حقيبتي وكأن الزمن يدور ليعيدني طفلة تحبو من جديد نحو الحياة قررت الخوض في غمار البكالوريا الكل نظر إلي بتشكيك كيف لك ذلك وأنت آخر مرة غادرت الدراسة كانت من التاسعة وأكملت بالمراسلة حتى الثالثة ثانوي سبعة عشر عاماً من الانقطاع جعلت عقلي كصفحة بيضاء تأبى أن تمتزج بالحروف كانت الكلمات تتراقص وتهرب مني جاء يوم إعلان النتائج رسبت لكنها لم تكن خسارة في نظري بل أسميته عام الدخول والاستئناس بالحروف أن أعود بعد كل هذا الغياب وأدرس وحدي دون دروس دعم أو زملاء من السنة التاسعة وصولاً إلى الثالثة ثانوي هو في حد ذاته انتصار خفي لا يراه إلا من خاضه في العام نفسه نلت شهادة تقني في الإعلام الآلي سجلت للمرة الثانية عدت بحزم وإرادة وخطة واضحة لم أكن أستهين بالأمر أدرس بانتظام أراجع الدروس أعيد قراءة المقررات وأجبر نفسي على الاستيعاب رغم الثقل الذي كانت تتركه السنوات داخلي لكني رسبت في المرة الثالثة لم أخبر أحداً سئمت موشحات السخرية مال تسجيل اشتري به فستان لا جدوى من دراستك جاء يوم إعلان النتائج عيناي تنتقلان بين ساعة الهاتف وساعة الحائط وكأنني أبحث عن زمن جديد يولد لم يتوقع أحد نجاحي كانوا قد طووا الصفحة إلا قلبي كان يؤمن أن الحلم إذا نام لا يعني أنه مات دخل أخي وقال خديجة هل اليوم نتائج البكالوريا قلت له أظن ذلك تظاهرت بلامبالاة لكن قلبي كان يقرع كطبول المعركة الساعة تشير الثالثة أما النتائج ففي الرابعة وكأنني أعد الزمن بين مخاض وميلاد جاءت( الرابعة) أدخلت رقمي التسلسلي بيدين لا تكادان تثبتان ثم ظهرت الكلمة (ناجح) في تلك اللحظة لم أصرخ ولم أقفز بل فقط استدرت إلى أمي وهمست يا أمي نجحت لم تفهمني كررت أمي نجحت في البكالوريا فبكت بكت مثلما تبكي الأمهات عند ولادة متأخرة ذهبت وأخبرت أخي لم تكن فرحتي أكبر من تلك التي رأيتها في عينيه اخترت تخصص الأدب العربي وقبيل دخولي إلى الجامعة واجهت أصعب اختيار أمي صحتها في تراجع مستمر عصفت بي الظنون كيف لي أن أتركها وحيدة وأنا أدرس طيلة أسبوع في ولاية مجاورة لكني اهتديت إلى حل أن أقوم بمهامي مساء رجوعي من الجامعة لأعد لها كل ما تحتاجه لولا وجودها لما وفقت وجدت نفسي أجلس بين مقاعد الدراسة مع من يصغرونني سناً كان أول درس أتنفسه في الجامعة عن أدب الرحلة ولم أكن أعلم أن رحلتي قد بدأت فعلاً مع أول خطوة خطوتها في الرواق وقفت أمام بحثي الأول تصادفت مع أبيات في ذلك اليوم كأنها خصصت لي كنت أرددها بقلبي” أراك عصي الدمع شيمتك الصبر  **أما للهوى نهي عليك ولا أمر “كنا نتتلمذ على يد قامات علمية أدبية أساتذة لم يكونوا يؤدون مجرد واجب وظيفي كانوا آباء وأمهات في هيئة معلمين منهم تعلمت أن العلم ليس مجرد كلمات تقال بل هو سلوك يعاش وأن الكلمة الطيبة تسبق مداد القلم وأن الأخلاق قبل البلاغة كنت أخرج من القاعة وكأن شيئاً في داخلي يتغير كل يوم يتطهر ويستفيق لم أكن أتعلم فقط عن بحور الشعر ومسارات الأدب بل كنت أرحل في أعماق نفسي لأعود في كل مرة امرأة مختلفة أنضج وأقوى مر العام الأول بخطى خجولة كأنني أتعلم المشي من جديد ثم جاء العام الثاني وفيه بدأت أرفع رأسي بثقة وصار الحرف وطناً والقلم سنداً وأصبحت مرشدة وناصحة لمن يصغرونني سناً لطالما رددوا على مسامعي فيك من حنان أمي أما العام الثالث فكان المحطة الفاصلة إذ وفقت فيه لنيل شهادة تقني سامي في الإعلام الآلي وتزامن ذلك مع تخرجي من الجامعة بشهادة ليسانس كنت أسير وخلفي أيام لم تكن سهلة لأتجاوزها لكن أمامي أستاذة أشرفت على مذكرة الليسانس لم تكن تشرح فقط بل ترمم داخلي كثيراً ما تقول يا خديجة أنت قوية لا تلتفتي امضي فقط كانت كلماتها تربت على كتفي كلما شعرت بثقل الطريق واليوم أنا طالبة ماستر أتجاوز الدروس والبحوث وفي عامي الأخير اخترت لموضوع مذكرة التخرج ما يلامس واقعي ويرمم كل كسرة بداخلي من الضحية إلى الذات الفاعلة صورة المرأة في الرواية العربية المعاصرة.