آخر الأخبار

فِعْلٌ واحد في أراضٍ مًخْتلِفة

بُعْدٌ .. و .. مسَافة

مصطفى أبوالعزائم

 

*بمناسبة مرور الذكرى الثانية والستين لثورة الحادي والعشرين من أكتوبر عام 1964 م يوم أمس، أذكر أنني كتبت مقالاً قبل الآن بكثير، كان بعنوان ( بلادنا في أي مرْحلَةٍ من مراحِل الثّورة الآن؟ ) وقد فتح علينا ذلك المقال أبواب نقاش عديدة ، من خلال التعليقات في موقع الصحيفة أو مواقع ومنصات التواصل الإلكترونية المختلفة، ربما نعْرِض على بعضها لاحقاً، لكن رسالة من أخ وصديق كريم إستوقفتني وهي محتشدة بِكمٍّ هائل من المعارف والمعلومات، أتخير بعض ما ورد فيها، وهو يُذكّرَني في رسالته تلك بنقاش قديم جرى بيننا حول كِتَابٍ للمؤرّخ والكاتب الأمريكي (كراين برينتين) حمل إسم ( تشريح الثورة) وقال لي إن الكاتب والكتاب برزا أمامه وهو يطّلع على المقال، لأن الكاتب الأمريكي الذي أصدر كتابه ذاك في العام 1938 م كان قد تتبّع بالدراسة والتحليل أربع من الثورات الكبرى التي تعتبر الأخطر والأهم في التاريخ الإنساني الحديث، هي الثورة الفرنسية و الثورة الأمريكية ، والثورة البلشفية الروسية ،ثُمّ الحرب الأهلية الإنجليزية.

*كتاب برينتين الذي أعيدت طباعته في عام 1956 م، ثُمّ في عام 1964م يُعـتَبر من أهم المصادر الأساسية لتفسير الثورات، وقد ذكر الكاتب الأمريكي إن هناك أربعة مراحِل للثورة، وبالتحديد بعد إسقاط نظام الحكم القائم ، تبدأ بأعراض الثورة من خلال التنافر الطبقي المُسْتجَد في المجتمع نتيجة لعدم كفاءة الحاكم.

*ثم يلي ذلك ما أسماه الكاتب مرحلة الحُمّى الصاعدة وهي مرحلة تصاعد السّخَط في أوساط الطبقة الوسطى ، لينتقل منها إلى بقية أفراد الشّعْبِ ، لتبدأ المواجهة بين الحكومة والمواطنين والتي تنتهي عادة بإنهيار الجهاز الحكومي تحت ضغط الإنتفاضة والإنهيار المالي، ثُمّ يُشكِّل المعتدلون أو الوسط السّياسي الحكومة الجديدة، لكنها تعجز عن إدارة الدولة، ومواجهة التحديات والأزمات الإقتصادية، ووضع دستور جديد

وهنا تظهر خُطب المنتصرين التي تكشف عن أنهم غير مجمعين على ما يفعلونه لإدارة الدولة.

*المرحلة الثالثة عند الكاتب هي مرحلة الأزمة عندما يعجز المعتدلون عن إدارة الدولة، ويُقْصِيهم المُتطرِّفون أو اليسَار السياسي بالقوة ليبدأ حُكْم الإرهاب ويشرع المتطرفون في التخلّص من معارضيهم بإستخدام العُنف، وتتورط الحكومة الجديدة في حرب خارجية في محاولتها نشر مبادئ الثورة ، وتتفاقم الأزمات الإقتصادية وتفقد الثورة بريقها وسطوتها وجاذبيتها وتفقد السند الشعبي.

*التفاصيل ممتعة إلا المساحة محدودة، لكن الكاتب الأمريكي يستنتج أن الثورة تعود في النهاية لنظام أقرب للنظام الذي إقتلعته الثورة، مع تطبيق بعض الإصلاحات التي تطيح بأسوأ ما كان عليه النِّظَام القديم، لكن الوضْعَ في مجمله يعود إلى ما كان عليه الحال لفترة ما قبل الثورة.

*أخذتُ نقاش صديقي وزميلي الذي أُفضّل عدم الإشارة لأسمه لأنه مُصنّفٌ سياسيّاً وهو ما قد يؤخذ عليه من قِبل حزبه أو قد يؤخذ على حزبه كأن ذلك هو رأي الحزب، وقد يستثمر الخصوم السياسيون ذلك إستثماراً سالباً ضِد الرجل أو حزبه ، أقول أنني أخذت ما قال به ذلك الصديق مأخذ الجد للنظر فيه ومحاولة قراءة تلك الإشارات مع المشهد السياسي السوداني بعد ثورة أكتوبر، وما تلاها حتى الآن من ثورات ، وإنقلابات وإنتفاضات حتى يوم الناس هذا.