
حسني مبارك في مطار القاهرة أمس
بعد .. و .. مسافة
مصطفى أبو العزائم
*بالأمس وصلت إلى مطار القاهرة الدولي ، بعد غيبة إمتدت لأكثر من عامين ، وهي فترة طويلة منذ أن زرت مصر الشقيقة قبل خمسين عاماً ، ضمن رحلة مدرسية ، عندما كانت المدارس تنظم رحلات داخلية وخارجية ، برسوم إشتراك إسمية.
*قابلني أخي وصديقي العزيز، اللواء شرطة م. صلاح محمد عبدالحليم، وقد كان ضمن دفعتنا تلك التي كان عدد من أبنائها ضمن تلك الرحلة المدرسية.
*قابلني أخي وصديقي العزيز صلاح كما إستقبل هو وعدد كبير من أبناء الأسرة في المطار، ومعي زوجتي وهي شقيقته ، وتحدث معي حول النهضة التي تشهدها الشقيقة مصر الآن في عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي ، وقال لي ضاحكا : (انت طبعا قابلت الرئيس الراحل أنورالسادات ، والرئيس الراحل حسني مبارك، والرئيس عبدالفتاح السيسي.
*قلت له بالفعل قابلت الرئيس حسني مبارك ، وقابلت الرئيس السيسي بل وحاورته كأول صحفي سوداني يجلس إليه خلال فترة ترشحه للرئاسة ، لكنني لم ألتق بالرئيس الراحل أنور السادات إلا من خلال الصحف المصرية والنشرات الإخبارية المصورة ، خاصة بعد حرب أكتوبر 1973 م ، التي صنعت له مجدا تاريخيا ووضعته في مصاف الابطال الكبار.
*أما الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك فإنني التقيت به مرة واحدة ، وهذه لها قصة ، وقد كانت رحلة حياته غنيةٍ بالأحداثِ والتحولات التاريخية التي عاشها أوالتي أسهم في صناعتها رحمه الله ، منذ أن التحق بالكلية الجوية المصرية في العام 1950م ، والتي تخرج فيها ضابطاً و تدرّج خلال فترة عمله في الرتب العسكرية وترقى إلى أن أصبح رئيساً لأركان حرب القوات الجوية ، ثم قائداً لها في أبريل من العام 1972م في إطار ترتيبات الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات لحرب أكتوبر ، فقد رأى فيه قائداً يمكن أن يحقق ما تريده القيادة العليا ، وبالفعل قاد اللواء طيار محمد حسني السيد مبارك – وهذا اسمه كاملاً – قاد القوات الجوية في حرب اكتوبر 1973م ، وحقق بالضربة الجوية وما تبعها من غطاء جوي للقوات البرية وهي تقتحم سد بارليف في السادس من اكتوبر من العام 1973م الذي صادف اليوم العاشر من رمضان ، وحقق النصر المصري المؤزر على الجيش الذي لا يهزم كما كان يروج الإسرائيليون لجيشهم ، لكن تلك المقولة سقطت وأسقطت معها حكومة تل أبيب ، بعد حرب الساعات الست ، وذاق الإسرائيليون طعم الهزيمة المر لأول مرة.
*لمع نجم مبارك وتقدّم الصفوف بالكفاءة والقدرة والإستحقاق فإختاره الرئيس السادات- رحمه الله- عام 1975م نائباً له بعد أن ظل المنصب شاغراً لفترة طويلة ، ثم تقلد منصب الرئيس بعد أن تم إغتيال السادات على يد جماعة سلفية إسلامية مصرية في العام 1981م ، وتم إختياره بعد استفتاء شعبي ليحكم بعد ذلك بالتجديد في الأعوام 1987م و 1993م، و 1999م، حتى فوزه في إنتخابات عام 2005م التي ووجه فيها بالنقد مثلما ووجه بالنقد النظام الانتخابي ، وقابلية التجديد للرئيس لأكثر من فترة حسب ما هو منصوص عليه دستورياً
*قابلتُ الرئيس محمد حسني مبارك وجهاً لوجه ، وحييته يداً بيد عام 1985م في مطار الخرطوم عندما زارالسودان عقب إنتفاضة السادس من أبريل في ذلك العام ، وكان معي زميلي الأستاذ فتح الرحمن النحاس ، وكنا منتدبَين من صحيفة (الأيام) التي نعمل بها لتغطية الإستقبال والمباحثات التي يجريها مع رئيس المجلس العسكري الانتقالي- وقتها – المشير عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب رحمه الله ، وكان من ضمن مرافقي الرئيس مبارك في تلك الزيارة الفريق كمال حسن علي الذي كان يشغل منصب وزير الخارجية وقتها.
*السودانُ كان آمناً، ولم تكن الإجراءات الأمنية بذات التشديد والصرامة الحالية ، خاصة بالنسبة لنا نحن معشر الصحفيين والعاملين في مجال الإعلام ، وقد سألت الوزير المصري عدة أسئلة أجاب عليها بلا تحفظ ، ثم اتجهت وزميلي (النحاس) نحو الرئيس مبارك ، الذي إستقبلنا ببشاشة سرعان ما إنقلبت غضباً نارياً عندما سأله الأستاذ النحاس عن إمكانية تسليم (النظام المصري) للرئيس نميري لمحاكمته في السودان.
*والله.. لقد تبدّلت سحنة الرئيس مبارك وتهدج صوته ، وقال بغضبٍ شديد ، موجهاً حديثه لكلينا- أنا والنحاس- بأنه لن يسمح لأي شخص مهما كان أن يقول (النظام المصري) لأن مصر دولة ، والرئاسة فيها ليست مختطفة .. حديثه الغاضب جعل أحد كبار المستقبلين يأتي إلينا ويطلب منا بأدب وهدوء أن نبتعد عن دائرة الرئيس.
*كان ذلك عقب نجاح إنتفاضة أبريل 1985 وكنا مثل شباب اليوم ثائرين نمتليء حماسة وثورة ، لكنني كنتُ قد شاهدتُ الرئيس مبارك عن قرب أكثر من مرة قبل ذلك التاريخ ، من أهمها ترؤسه والرئيس الراحل جعفر نميري إجتماعات برلمان وادي النيل ، سواء في السودان أو مصر ، وقد كنتُ آنذاك محرراً برلمانياً أغطي أعمال مجلس الشعب لصالح صحيفة (الأيام) وشهدت أحد أهم إجتماعات برلمان وادي النيل في مدينة العريش المصرية ، وهي عاصمة شمال سيناء ، عقب الجلاء الإسرائيلي عنها في أبريل 1982م ، إذ انعقدت فيها إحدى جلسات برلمان وادي النيل في أكتوبر من ذات العام ، وكان محافظ شمال سيناء آنذاك أحد أبطال حرب أكتوبر 1973م وهو اللواء منير شاش.
*شكرت أخي وصديقي اللواء شرطة م. صلاح محمد عبدالحليم ، وترحمنا على الرئيس محمد حسني مبارك ، فقد كان الرجل رمزاً مصرياً عظيماً للبطولة رغم المحاولات المستميتة لإزاحته عن الحكم سواء بالتغييب أو بالثورات المصنوعة.