آخر الأخبار

ومن سلك سلوك (النور القبة) فهو آمن ولكن

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

*ليس الخبر في عودة رجلٍ من صفٍ إلى صف، بل في ما تُحدثه هذه الحركة من ارتباك في تعريف المواقف، وفي إعادة ترتيب الأسئلة قبل الإجابات. فحين يعود قائد ميداني ذو وزنٍ نوعي ثقيل من داخل بنية مليشياوية إلى حضن الجيش، فإن الحدث يتجاوز شخصه إلى ما يمثّله، ويتجاوز خطوته إلى ما تفتحه من أبواب- أو ما تثيره من حساسيات وتساؤلات مشروعة.

*بهذا المعنى يمكن قراءة عودة القائد المليشي البارز في الصف القيادي الميداني لمليشيا الدعم السريع، النور القبة، إلى صفوف الجيش، منشقا عن المليشيا. وهي عودة صاحَبها لغط كثيف بين مرحّبٍ ورافض، لا على مستوى الحدث فحسب، بل على مستوى رمزيته، وطريقة استقباله، وحدود التعامل معه.

*فالجدل لم يتوقف عند مبدأ العودة ذاته، بل امتد إلى ما اعتبره البعض ترحيبًا مبالغًا فيه من قادة الدولة والجيش- من وجهة نظر الرافضين-وصل، بحسب ما تردد، إلى استقبال من القائد العام الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، بل وحديث عن تنازله عن سيارته له إن صح ذلك.. وهي تفاصيل، مهما اختلفت دقتها، تعكس حساسية اللحظة، وتلامس وجدان من دفعوا كلفة الحرب ولايزالون.

*غير أن قراءة الحدث بمعزل عن طبيعة الحرب في السودان تُفضي إلى فهمٍ ناقص.. فهذه الحرب لم تكن حرب جبهات تقليدية، بل حرب حواضن اجتماعية وقبلية، تُغذّى بها المليشيات، ويُعاد عبرها إنتاج قدرتها على الاستمرار وإطالة أمدها.. وهو نهج قادتها ورعاتها لتزكية الحرب وضمان استمرارها، واستنزاف الجيش والدولة معًا، باعتبار ذلك أحد أهدافها الرئيسية.

*وفي مثل هذا السياق، تصبح واحدة من أهم وسائل تفكيك الخصم هي ضرب أواصر التلاحم القبلي والتحالفات الاجتماعية داخل المليشيا، بما يؤدي إلى إنهاكها وتدميرها من الداخل. وهنا تتجلى قيمة الانشقاقات كأداة تفكيك لا تقل أهمية عن أي تقدم ميداني.

*فالاستخبارات العسكرية للجيش، ومعها قيادته، تعمل من ضمن مهامها الأساسية، على اختراق صفوف العدو وخلخلة تماسكه، إلى حين تفككه ثم انهياره.. وهي إحدى أنجع وسائل محاربة الخصم، لا بمواجهته فقط، بل بتفكيكه من داخله.

*وعليه، فإن أي انشقاق في صفوف العدو يُعد إضافة للجيش، وهو كذلك إضعاف مباشر للخصم وانتقاص من قوته. وتتضاعف هذه الإيجابية حين يصحب الانشقاق انضمامٌ إلى الطرف الآخر بالعدة والعتاد والقوات. بل إن العائدين يمكن أن يغيروا ميزان المعركة إذا أُعيد توظيفهم في مواجهة رفاق الأمس، لما يمتلكونه من خبرة ومعرفة بالخصم وأسراره، ودراية بمسرح العمليات، طبيعةً ومجتمعًا.

*ومن هنا، فإن فتح الأبواب للمستسلمين والقادمين والعائدين من صفوف المليشيا- أياً كانت نواياهم أو أسبابهم- هو قرار سياسي وعسكري حكيم.. بل إن الترحيب بهم يشجع آخرين على القدوم، ويُسرّع من عملية تفكيك المليشيا من الداخل.

*وليس هذا المعنى غريبًا عن مرجعيتنا الدينية، بل هو مؤسس فيها.. فمن ناحية تأصيلية، فقد جاءت النصوص القرآنية واضحة في هذا الباب: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله)، (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم)، (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله).. وهي آيات تُقرّ القتال عند الضرورة، لكنها تجعل الغاية هي السلم ووقف الحرب وتحرض على ذلك.

*وقد جسّد النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في فتح مكة، حين أعلن الأمان العام في نداءٍ تاريخي؛ لا يزال يسري في التاريخ ويتحدى الزمان: من دخل المسجد الحرام فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن.. كان ذلك تأسيسًا لقيمة الأمن، والعفو، والصفح، ووقفًا للحرب.

*وتبلغ هذه القيم ذروتها في موقفه عليه الصلاة والسلام من هند بنت عتبة، التي ارتبط اسمها بأحد أقسى أفعال الحرب، ومع ذلك قَبِل إسلامها، وعفا عنها، وفتح لها الباب، متسامياً فوق الجراح والأذى، ومقدماً مصلحة المجتمع على ذاكرة الألم.

*لكن، وعلى أهمية هذا الباب، فإن فتحه لا يعني إطلاقه بلا ضوابط.. فمفهوم الترحيب بالعائدين مقبول، بل مطلوب، ولكن لا ينبغي أن تكون المكافآت غير معقولة أو مستفزة لمشاعر من ضحّوا أو فقدوا أو أُوذوا في أنفسهم وأموالهم وممتلكاتهم على يد هؤلاء العائدين.

 

*كما لا يجب أن يكون المقابل سلطة أو جاهًا أو مالًا أو قوات – إن كان هناك مقابل في الأساس-، بما يجعل العمل كله مشوهًا وغير مقبول. فمعادلة: إما أن نحكم أو نقاتل هي معادلة مرفوضة، ومنطق فاسد، ولا يمكن أن تُبنى عليها دولة.

*إن الأمر يحتاج إلى ترتيبات دولة أكثر حكمة ومعقولية، قادرة على إدارة هذا الملف بتوازن، والخروج من هذه الدائرة الشريرة الفاسدة المفسدة؛ تمرد، حرب، قتال، عودة، حكم وسلطة، ثم تمرد من جديد.

*لقد صبر هذا الشعب وتحمل ما يكفي ويزيد، وآن له أن يستريح، وهو يستحق ذلك.

*ومن هنا، تُطالب الدولة باتجاهٍ واضح لتذويب الكيانات العسكرية الموازية والمتفرخة من الجيش، إلى حد التلاشي، وفي سبيل بناء جيش قومي وطني واحد، وصولًا إلى نقطة “صفر مليشيا.

 

*وهذا يتطلب سبلًا واضحة للدمج والتسريح، وإدارة حكيمة للمرحلة، كما يتطلب من المجتمع قبول الآخر، وتشجيع عودة من يرفع السلام في وجه الدولة والجيش، إلى حين أن تضع الحرب أوزارها، بكسر شوكة التمرد، أو هزيمته، أو استسلامه، أو حتى عبر مسارات سلمية من تفاوض واتفاق.

فالشأن العام لا يُدار بمنطق الشأن الخاص، ولا تُقاس قراراته بميزان الحقوق الفردية وحدها، رغم عدالتها ومشروعية مطالب ومشاعر أصحابها.

 

*وعليه، فإن من سلك سلوك النور القبة فهو آمن… ومن عاد إلى جادة الحق فهو آمن… ومن انضم لحضن الجيش فهو آمن… ومن وضع سلاحه فهو آمن.

ولكن- وهنا يتجاوز القول مجرد عبارة إلى قاعدة تأسيس—

فإن الأمان الذي تُعلنه الدولة يجب أن يكون جزءًا من مشروع، لا مجرد موقف؛ مشروع يُنهي الحرب ولا يُديرها، ويُفكك التمرد ولا يُعيد تدويره، ويستوعب العائدين دون أن يُقصي الثابتين ولا يهضم حقوقهم،

ويوازن بين العفو والعدالة، لا أن يُفرّط في أحدهما على حساب الآخر، حيث لا إفراط ولا تفريط.

*فإن نجحنا في ذلك، فلم ولن تكن هذه العودة حدثًا عابرًا، بل بداية نهايةٍ لحربٍ طالت.. وإن أخفقنا، فلن نكون قد كسبنا رجلًا، بل سنكون قد خسرنا فرصة.

*وبين الأمرين… تُختبر الدولة، لا في قدرتها على الترحيب، بل في قدرتها على البناء وحسن الاختيار وصحة القرار.