آخر الأخبار

رئيس هيئة البراعم والناشئين ومستشار الاتحاد السوداني لكرة القدم يكتب بعد خروج المنتخب :

  • الوقت للبناء وليس للكلام
  • لا نبرر الخسارة ولا نقدم الأعذار ومشروعنا مستمر

 

إن خروج منتخبنا الوطني للناشئين من بطولة سيكافا عقب خسارته مباراته الثانية لا يغيّر من حقيقة المشروع الذي انطلقنا من أجله، ولا ينتقص من الغاية التي حملناها معنا إلى هذه المشاركة. فالقضية التي نعمل من أجلها أكبر من نتيجة مباراة، وأبعد من حدود بطولة، وأعمق من أن تُختزل في انتصار عابر أو خسارة مؤقتة. نحن لا ننظر إلى هذه المشاركة باعتبارها محطة عابرة في سجل النتائج، وإنما باعتبارها خطوة أولى في طريق العودة إلى المشاركات القارية، واستعادة الحضور الأفريقي لكرة القدم السودانية، لا سيما على مستوى البراعم والناشئين، ومنح هذه الفئات فرصة الاحتكاك واكتساب الخبرات اللازمة لبناء أجيال قادرة على المنافسة مستقبلاً.

إن الخسارة في بدايات الطريق ليست استثناءً في تجارب البناء، ولا تعني بالضرورة فشل المشروع؛ فالأمم التي صنعت أمجادها الرياضية لم تبدأ جميعها من منصات التتويج، وإنما بدأت من حيث يتوافر الإيمان بالفكرة، والاستعداد لتحمل كلفة التأسيس، والصبر على مراحل التطور. ومن الطبيعي أن نخسر بطولات ونحن نضع أقدامنا على أول الطريق، لكن ما لا ينبغي أن نقبله هو أن نستمر في خسارة المستقبل بسبب غياب الرؤية، أو أن نطالب بحصاد الثمار قبل أن نزرع البذور، أو أن نحاكم مشروعاً يستهدف معالجة الأزمة من جذورها بمنطق النتائج الآنية وحدها. إننا نريد أن نبني لاعباً يمتلك أساساً فنياً سليماً، وشخصية تنافسية ناضجة، وخبرة تتراكم مع المشاركات، قبل أن نطالبه بحمل أعباء تاريخ طويل من التطلعات والانتظارات.

إن كرة القدم السودانية التي كانت من بين المؤسسين للاتحاد الأفريقي لكرة القدم، وصاحبة التاريخ العريق والجماهيرية الممتدة، لا يليق بها أن تستقر في موقعها الراهن، ولا يليق بتاريخها أن يظل حاضرها أسير الأزمات والتراجع، ولا يليق بتلك الجماهير التي تعشق تراب هذا الوطن وتمنح كرة قدمه مكانة استثنائية في وجدانها أن تظل تنتظر استعادة الأمجاد دون أن نضع الأسس الحقيقية لاستحقاقها. إن الفجوة بين ما تملكه السودان من تاريخ وجماهير وطاقات بشرية، وبين واقعه الكروي الراهن، تفرض علينا جميعاً مسؤولية المراجعة والعمل، لا الاكتفاء برصد الإخفاقات أو تبادل اللوم. فالأزمات الكبرى لا تُعالج بالمسكنات، والتراجع الذي تراكم عبر سنوات لا يمكن تجاوزه بقرارات موسمية، وإنما يحتاج إلى مشروع متكامل يعيد ترتيب الأولويات، ويبدأ من القاعدة التي ينبغي أن تقوم عليها كل نهضة كروية حقيقية.

ومن هنا، فإننا في الهيئة القومية للبراعم والناشئين نؤمن بأن هذا الجيل هو جيل المستقبل، وأن ما نقدمه له اليوم سيحدد، إلى حد بعيد، ملامح كرة القدم السودانية في السنوات المقبلة. هؤلاء الصغار ليسوا مجرد قائمة لاعبين تشارك في بطولة إقليمية، ولا أرقاماً تُضاف إلى كشوفات المنتخبات، بل هم الثروة الحقيقية التي يجب أن تتضافر الجهود لحمايتها وتطويرها وصقل مواهبها. إن الاستثمار فيهم ليس ترفاً إدارياً ولا خياراً قابلاً للتأجيل، بل هو ضرورة وطنية تفرضها حقيقة أن المنتخبات الكبيرة لا تُصنع في لحظة، وأن الأجيال القادرة على المنافسة لا تظهر من فراغ، وإنما هي نتاج عمل متواصل يبدأ من اكتشاف الموهبة، ويمر بالتدريب والتأهيل والمنافسة، وينتهي بصناعة لاعب يستطيع تمثيل وطنه بثقة واقتدار.

ونحن ندرك تماماً أن المشاركة الخارجية، على أهميتها، لا يمكن أن تؤتي ثمارها كاملة ما لم تسندها قاعدة محلية نشطة ومنظمة. لذلك فإن استعادة النشاط الرياضي للبراعم والناشئين، وإقامة الدورات والمنافسات المحلية والقومية، وتوسيع فرص المشاركة أمام المواهب في مختلف الولايات، تمثل ركائز أساسية في مشروعنا. فلا يمكن أن نطلب من لاعبينا اكتساب الخبرة وهم محرومون من انتظام المنافسات، ولا أن نطالب أنديتنا بإنتاج المواهب دون توفير بيئة تساعدها على اكتشافها ورعايتها، ولا أن نحلم بمنتخبات قوية إذا ظلت القاعدة التي تمدها بالعناصر تعاني من الغياب والتراجع. إن الطريق إلى منتخب وطني قادر على المنافسة يبدأ من ملعب الحي، ومن منافسات الأندية، ومن البطولات المحلية والقومية التي تمنح الناشئ فرصته الأولى للتعلم والتطور وإثبات الذات.

ولهذا، فإن مشروعنا لا يقوم على مشاركة هنا أو بطولة هناك، بل يستهدف تأسيس مسار طويل الأمد لإعادة بناء كرة القدم السودانية من القاعدة إلى القمة. وهو مسار يحتاج إلى الصبر، وتكامل الأدوار، واستمرار الدعم، وتجاوز الحسابات الضيقة، لأن معالجة الأزمة من جذورها تقتضي أن نتعامل مع البراعم والناشئين باعتبارهم أولوية استراتيجية، لا ملفاً مؤقتاً يستدعي الاهتمام عند المشاركات الخارجية ثم يُترك للنسيان بعد انتهائها. ونؤمن بأن المسؤولية في هذا الطريق لا تقع على عاتق الهيئة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتطلب وقوف الدولة والاتحادات والأندية والأجهزة الفنية والإعلام الرياضي والجماهير خلف مشروع وطني غايته استعادة عافية كرة القدم السودانية وصناعة مستقبل يليق بتاريخها ومكانتها.

إننا لا ندّعي أن الطريق سيكون سهلاً، ولا نزعم أن النتائج ستأتي بين ليلة وضحاها، لكننا نؤمن بأن البداية الصحيحة، مهما بدت متواضعة، أفضل من البقاء في دائرة الانتظار، وأن العمل الذي يستهدف بناء الإنسان واللاعب والمؤسسة هو الأقدر على صناعة التحول الحقيقي. سنستفيد من التجارب، ونتعلم من الأخطاء، ونواصل العمل من أجل توسيع قاعدة الممارسة، وإعادة المنافسات إلى مسارها، ومنح الناشئين فرصاً حقيقية للاحتكاك والتطور، حتى تصبح المشاركة الأفريقية امتداداً طبيعياً لنشاط محلي قوي، لا مجرد محطة نصل إليها ثم نعود منها دون أن نترك أثراً في مستقبلنا.

وفي الختام، فإننا في الهيئة القومية للبراعم والناشئين نعدكم بالعمل، ونترك لكم الحكم على ما نقدمه من نتائج على أرض الواقع. لا نطلب إعفاءنا من النقد، ولا نبحث عن مبررات للخسارة، وإنما نطلب أن يُقرأ هذا المشروع في سياقه الصحيح، وأن تُمنح عملية البناء ما تستحقه من وقت وصبر ومساندة. سنمضي في طريقنا، واضعين نصب أعيننا أن مستقبل الكرة السودانية يبدأ من هنا، من هؤلاء الناشئين الذين نراهم اليوم يتعلمون ويتعثرون، ونريد لهم غداً أن ينافسوا ويرفعوا اسم السودان عالياً.

فالوقت للبناء، وليس للكلام.

الشاذلي عبدالمجيد
رئيس الهيئة القومية للبراعم والناشئين