
قراءة تحليلية في تصريحات حميدتي حول عدم استهداف المدنيين
عمرو خان
*في أحدث تصريح له عبر قناة الجزيرة الإخبارية، قال قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي): قواتنا تستهدف المناطق العسكرية ولا تقصف المدنيين، وحماية المواطن السوداني تظل على رأس أولوياتنا.
*يأتي هذا التصريح في لحظة فارقة من الحرب الممتدة، حيث تتكاثر التقارير الحقوقية الميدانية عن انتهاكات جسيمة ضد المدنيين في مناطق النزاع، الأمر الذي يجعل الخطاب الإعلامي لحميدتي بحاجة إلى قراءة تحليلية تتجاوز سطح العبارة إلى عمق الواقع الذي يناقضها.
*أولًا: تباين بين الرسالة الإعلامية والمشهد الميداني: تسعى ميليشيا الدعم السريع، من خلال تصريحاتها، إلى تأكيد انضباطها العسكري وصورتها كقوة منظمة تستهدف الخصم المسلح فقط.. لكنّ ما تكشفه الوقائع من دارفور إلى الخرطوم والجزيرة يشير إلى العكس تمامًا.. هجمات على الأحياء السكنية، نهب واسع النطاق، ترويع للمدنيين، وعمليات نزوح متكررة لملايين المواطنين.
*في هذا السياق، تبدو تصريحات حميدتي أقرب إلى محاولة لصناعة رواية إعلامية مضادة، تُخفف من حدة الانتقادات الدولية وتعيد تقديم الميليشيا في صورة “قوة وطنية” بدلاً من كونها طرفًا مسلحًا متهمًا بانتهاك القانون الإنساني.
*ثانيًا: الخطاب السياسي كسلاح ناعم: من منظور تحليلي، يعتمد حميدتي في خطاباته الأخيرة على ما يمكن وصفه بـ(استراتيجية التجميل السياسي)، أي استخدام مفردات الشرعية الأخلاقية (حماية المدنيين – ضبط النفس – استهداف العدو العسكري فقط) لتمرير رسائل مزدوجة إلى الداخل والخارج.. ففي الداخل، يريد طمأنة مجتمعه القبلي وحلفائه السياسيين.. وفي الخارج، يحاول إقناع الأطراف الدولية بأنه ما زال “قادرًا على السيطرة” على عناصره وأنّ الانتهاكات الفردية لا تعبّر عن نهجٍ ممنهج.
*لكن هذه اللغة تفقد فاعليتها حين تُقاس بنتائج الميدان، إذ يظل معيار الحقيقة هو ما يراه الناس لا ما يُقال على الشاشات.
*ثالثًا: غياب المواجهة المباشرة: رغم تصاعد الاتهامات الموجهة لميليشيا الدعم السريع، يتجنّب حميدتي الظهور العلني المستمر والاكتفاء بتصريحات متقطعة عبر وسائط محددة.
*هذا النمط من التواصل يُظهر حذرًا سياسيًا متعمدًا، لكنه أيضًا يكشف عن أزمة ثقة بين القائد وقواعده، وبين الميليشيا والمجتمع السوداني.
*ففي زمن تتزايد فيه أعداد الضحايا وتُسجّل الجرائم بالصوت والصورة، يصبح الصمت أو الظهور الموجّه نوعًا من التواطؤ مع الغموض.
*رابعًا: المضمون الأخلاقي المفقود: تتخذ الحروب الأهلية معناها الحقيقي حين تفقد الأطراف المتحاربة البوصلة الأخلاقية.
*وما تقترفه ميليشيا الدعم السريع من تجاوزات موثقة ضد المدنيين لا يمكن تبريره تحت ذريعة “استهداف مواقع عسكرية.
*ذلك أن استخدام القوة في مناطق مأهولة بالسكان ينسف أيّ ادعاء بوجود نية الحماية.. وفي النهاية، الأخلاق هي الامتحان الأصعب لأي مشروع سياسي أو عسكري — وهو امتحانٌ فشلت فيه هذه الميليشيا مرارًا.
*خامسًا: نحو قراءة واقعية للخطاب: تصريحات حميدتي الأخيرة ليست مجرد جمل إعلامية عابرة، بل مؤشر على اتجاهٍ استراتيجي جديد تحاول فيه الميليشيا إعادة صياغة سرديتها أمام المجتمع الدولي.
*لكنّ المشكلة أن الواقع الميداني لم يتغيّر؛ ما زالت المدن مهددة، والمواطنون محاصرون، والانتهاكات متكررة.. وحين لا يتغيّر الفعل، يصبح الخطاب تكرارًا دعائيًا لا أكثر.
*خاتمة: يبقى السؤال الجوهري مطروحًا إذا كانت ميليشيا الدعم السريع لا تستهدف المدنيين كما يقول قائدها، فمن إذًا يقصف الأحياء ويهدم البيوت ويهجّر الناس من ديارهم؟
إنّ الفجوة بين ما يُقال وما يُرى على الأرض باتت واسعة إلى الحدّ الذي يجعل الخطاب الإعلامي أداةً لتضليل الواقع لا تفسيره.
*وحتى تتوقف الحرب، وتُحاسَب القيادات عن الجرائم المرتكبة، ستظل تصريحات حميدتي مجرّد محاولة لتجميل مشهدٍ يتآكل فيه المعنى الوطني، وتغيب عنه أبسط مقومات الإنسانية.
*كاتب صحفي مصري