
يجب أن نعلم أن النظام الدولي كائن حي لا يعرف السكون
د. عبدالله محي الدين الجنايني
*منذ أن بدأ الإنسان يؤرخ لتفاعلات القوى في محيطه، ظهر أن العلاقات الدولية ليست جدارًا من حجر صلب، بل نسيج حيّ يتنفس ويتحوّل. إن النظام الدولي بطبيعته ليس ثابتًا، بل متحرك ومتجدد، يخضع لمعادلات دقيقة من توازنات القوى والمصالح، ويتأثر بفاعلين يتجاوزون حدود الدول، من قوى كبرى إلى شركات عابرة للقارات، ومن منظمات دولية إلى حركات عابرة للحدود.. لكن، ما الذي يجعل هذا النظام متغيرًا على الدوام؟:
*أولاً: تغيّر موازين القوى التاريخ يخبرنا أن النظام الدولي يُعاد تشكيله كلما صعدت قوة جديدة ونافست القوى المهيمنة. بعد الحرب العالمية الثانية، انبثقت الولايات المتحدة قوة عظمى قادت المعسكر الغربي، لتدخل في مواجهة مع الاتحاد السوفيتي الذي مثّل قطبًا مضادًا في صراع أيديولوجي واقتصادي وعسكري امتد لعقود. ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، ساد خطاب (النهاية)– نهاية التاريخ، ونهاية الأيديولوجيا، وهيمنة النموذج الليبرالي الغربي.. غير أن صعود الصين في العقود الأخيرة، وعودة روسيا إلى دائرة التحدي، أعادا عقارب الساعة إلى منطق التوازن بين أقطاب متعدّدة، في مشهد يعكس أن الاستقرار ليس إلا محطة مؤقتة في مسار التاريخ.
*ثانيًا: الأزمات الكبرى محرك التغيير من الطاعون الأسود في أوروبا إلى جائحة (كوفيد-19)، لعبت الأوبئة دورًا في إعادة ترتيب القوى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية كذلك الحروب الكبرى – من حرب الثلاثين عامًا إلى الحربين العالميتين – كانت مختبرًا لصياغة أنظمة دولية جديدة واليوم، نجد أن أزمة التغير المناخي تهدد ليس فقط الاقتصادات، بل الأمن القومي للدول، بما يجعل (الأمن البيئي) بندًا صاعدًا على أجندة النظام العالمي.
*ثالثًا: الثورات التكنولوجية وتحوّل قواعد اللعبة: إن دخول الذكاء الاصطناعي، الثورة الرقمية، الفضاء السيبراني، والطاقة المتجددة ليس مجرد تحديث تقني، بل تحوّل استراتيجي في طبيعة القوة. القوة لم تعد تقاس فقط بالدبابات والغواصات النووية، بل بالقدرة على التحكم في البيانات، الهيمنة على الفضاء السيبراني، وامتلاك براءات الذكاء الاصطناعي.. هذه الثورة تخلق معادلات جديدة: دول صغيرة رقميًا قد تصبح ذات تأثير عالمي، فيما قوى تقليدية قد تتراجع إن لم تلحق بالركب.
رابعًا: الأيديولوجيا والقيم: لم يكن انهيار الاتحاد السوفيتي مجرد خسارة في ميزان القوى، بل تحوّل في منظومة القيم التي حكمت العلاقات الدولية.. من الثنائية القطبية الأيديولوجية إلى هيمنة الليبرالية الغربية، عاش العالم ثلاثة عقود تقريبًا تحت (وهم الأحادية القطبية).. لكن مع تنامي الشعبويات في الغرب نفسه، وصعود نماذج بديلة في الشرق، يتضح أن الأيديولوجيا لا تزال وقودًا للنظام الدولي، وأن (القوة الناعمة) لا تقل أهمية عن القوة الصلبة.
*خامسًا: الحركات العابرة للحدود:
لقد أصبح الرأي العام العالمي لاعبًا مؤثرًا. منظمات حقوق الإنسان، الحركات الشعبية، حتى الأصوات الفردية على منصات التواصل الاجتماعي، كلها قادرة على إحراج حكومات، الضغط على شركات، وتغيير مسارات سياسية. هذه القوى الناعمة العابرة للحدود تعكس أن النظام الدولي لم يعد حكرًا على الدول الكبرى وحدها، بل على شبكة معقدة من الفاعلين ..ولي أن أقول لقرائي الأحباء إن علم المستقبليات
(Futurology)
لا ينظر إلى النظام الدولي كخط مستقيم، بل كسيناريوهات متعددة الاحتمالات. فالعالم قد يتجه إلى نظام متعدد الأقطاب تقوده توازنات القوى التقليدية، أو إلى نظام شبكي تتداخل فيه الدول مع الشركات العملاقة والتكتلات الإقليمية. وقد نشهد – في سيناريو آخر – (فوضى منظمة)، حيث يختفي المركز، وتصبح القوة أكثر تشتتًا وانتشارًا.
*إن السؤال ليس ما إذا كان النظام الدولي سيتغير، بل كيف ومتى وإلى أي اتجاه. وهذه الإجابة لن تُرسم في غرف الاجتماعات المغلقة وحدها، بل في ميادين التكنولوجيا، ساحات الأزمات، وضمائر الشعوب.
*إننا نستطيع أن نقول أن النظام الدولي يشبه نهرًا دائم الجريان، لا يتوقف عن الحركة، لكنه قد يتخذ أشكالًا مختلفة حسب الصخور والمعوقات التي تعترضه. هو ليس ساكنًا مثل بحيرة، لكنه أيضًا لا يتغير عشوائيًا؛ بل يخضع لمنطق القوة والمصلحة والتحالفات.
*فهل منطقتنا العربية والأفريقية تعي ذلك ؟ أم أنها تسير وفق السيطرة التاريخية لقوًى بدأت تهتريء.