آخر الأخبار

بين الصدى والكتمان: قراءة نقدية في سجال حسن إسماعيل وعمار العركي

بقلم: د. البشير الحسن أبونخل

ليس كل خلاف بين أصحاب الرأي خلافاً في الموقف، وليس كل اختلاف في التقدير اختلافاً في الوطنية أو النوايا. وأحياناً يكون الخلاف الأكثر أهمية هو ذلك الذي يقع بين شخصين يقفان في الخندق نفسه، لكنهما ينظران إلى المعركة من زاويتين مختلفتين.ومن هذا النوع، في تقديري، السجال الرفيع الذي دار بين الأستاذين الإعلاميين حسن إسماعيل وعمار العركي حول نشر تفاصيل زيارة الفريق أول ياسر العطا إلى تركيا.

 

 

وإذا أردنا قراءة هذا السجال بعيداً عن الانحياز الشخصي، فإن القضية الحقيقية ليست: من منهما على حق؟ وإنما: أين تبدأ مسؤولية الإعلام في زمن الحرب، وأين تنتهي حرية النشر؟ وهل كل معلومة متاحة للجمهور تصبح بالضرورة معلومة آمنة للنشر؟هنا تحديداً تكمن أهمية النقاش.

 

 

أولاً: عمار العركي… قوة الحجة في النظر إلى «المحصلة»

 

 

أقوى ما في حجة عمار العركي أنه نقل النقاش من سؤال «هل المعلومة سرية؟» إلى سؤال أكثر تعقيداً: «ماذا يمكن أن ينتج عن تجميع المعلومات غير السرية؟»
وهذه نقطة جوهرية.

 

 

 

فالمعلومة المنفردة قد تبدو عديمة الخطورة: مكان إقامة، موعد زيارة، شخصية التقى بها مسؤول، دولة زارها، طبيعة عامة لمباحثات، أو مسار معلن.
لكن عندما تُجمع هذه التفاصيل في رواية واحدة، ثم تضاف إليها معلومات سابقة ولاحقة، فإنها قد تنتج صورة تحليلية مختلفة تماماً عن قيمة كل معلومة منفردة.وهذا تحديداً هو موطن القوة الأكبر في حجة عمار.

 

 

 

إنه لا يقول إن حسن كشف سراً عسكرياً، ولا يتهمه بالتعمد، بل يقر صراحة بأنه حجب المعلومات الفنية المتعلقة بالسلاح. وهذه نقطة مهمة جداً؛ لأنها تجعل الخلاف خلافاً في تقدير المخاطر، لا اتهاماً في النيات.

 

 

والعبارة الأهم في مقاله ربما كانت:

 

 

«المشكلة ليست دائماً في سرية المعلومة، وإنما في القيمة التي قد تنتج عن تجميع معلومات مفتوحة في سياق واحد.»

 

 

 

هذه ليست حجة عابرة، بل قاعدة تستحق أن تكون حاضرة في الإعلام أثناء الحروب.

 

 

ففي البيئة الاستخبارية الحديثة، لا يشترط دائماً أن يحصل الخصم على وثيقة سرية حتى يخرج باستنتاج ذي قيمة. أحياناً تكون قوة المعلومة في تركيبها لا في سريتها.وهنا أصاب عمار إصابة واضحة.

 

 

ثانياً: لكن حجة عمار لها حدود أيضاً

 

 

مع ذلك، فإن قوة هذه الحجة لا تجعلها حاسمة في كل الأحوال.فالقول بأن المعلومات المفتوحة يمكن أن تتحول إلى قيمة استخبارية عند تجميعها صحيح من حيث المبدأ، لكنه لا يعني أن كل تجميع للمعلومات يمثل خطراً أمنياً يستوجب الامتناع عن النشر.وهنا تظهر الحاجة إلى معيار أكثر دقة.
فإذا أخذنا المنطق إلى نهايته القصوى، فقد يصبح كل خبر عسكري قابلاً للحذف بدعوى أن الخصم يستطيع ربطه بمعلومات أخرى.

 

 

 

وهذا غير عملي؛ لأن الحرب الحديثة نفسها تقوم على الإعلام، والحرب النفسية، وصناعة الصورة، ورفع المعنويات، والتأثير في الخصم والحلفاء والرأي العام.ثم إن الخصم الذي يمتلك أجهزة استخبارات وقدرات تحليلية واسعة لا يعيش في فراغ معلوماتي؛ فهو يملك مصادر متعددة، ووسائل تقنية، وشبكات متابعة، ومعلومات سابقة لا تعتمد على الصحافة السودانية وحدها.

 

 

لذلك فإن السؤال لا ينبغي أن يكون:هل يستطيع الخصم أن يستفيد من المعلومة؟بل:هل أضاف نشرها قيمة عملياتية أو استخبارية ذات شأن إلى ما يستطيع الخصم معرفته من مصادر أخرى؟وهنا يصبح تقدير الخطر مسألة موازنة، لا قاعدة مطلقة.

 

 

 

ثالثاً: حسن إسماعيل… قوة الحجة في التفريق بين السرية والرسالة الإعلامية

 

 

 

في الجانب الآخر، تبدو قوة حجة حسن إسماعيل في إدراكه لوظيفة الإعلام أثناء الحرب.فزيارة رئيس هيئة الأركان إلى دولة مثل تركيا ليست مجرد حركة دبلوماسية؛ إنها في حد ذاتها رسالة سياسية وعسكرية واستراتيجية.إعلان الزيارة وإبرازها قد يحمل رسائل متعددة: أن السودان لا يعيش في عزلة، وأن خياراته العسكرية والدبلوماسية متعددة، وأن علاقاته لا تنحصر في محور واحد، وأن مؤسسات الدولة تتحرك لبناء شراكاتها، وأن الحرب لا تُدار فقط في الميدان وإنما في المجال السياسي والدولي أيضاً.ومن هذه الزاوية، فإن نشر المعلومات عن الزيارة يمكن أن يكون جزءاً من الحرب النفسية والإعلامية.وهنا لا يصح أن نطالب الإعلام بالصمت الكامل ثم نطالبه في الوقت نفسه بخوض معركة الرواية الدولية.

 

 

فالحرب الحديثة لها ميدانان متداخلان:

 

 

 

ميدان تُطلق فيه النار، وميدان تُطلق فيه الرسائل.وفي الميدان الثاني، يكون للصورة الإعلامية وزن كبير.ومن هذه الزاوية، فإن حسن إسماعيل يملك حجة قوية: ليس كل تفصيل منشور عبئاً أمنياً؛ بعض التفاصيل قد تكون جزءاً من الرسالة التي تريد الدولة إيصالها.

 

 

رابعاً: نقطة ضعف حسن إسماعيل… أن «عدم سرية المعلومة» ليس معياراً كافياً

 

 

لكن هنا تحديداً توجد الثغرة الأبرز في موقف حسن.كون المعلومة ليست سرية لا يعني تلقائياً أنها بلا حساسية.وهذا فرق دقيق لكنه أساسي.
هناك فرق بين أن تكون المعلومة منشورة أو قابلة للوصول، وبين أن يكون نشرها في توقيت محدد، وبصياغة محددة، وتجميعها مع معلومات أخرى، أمراً لا يضيف شيئاً إلى قدرة الخصم على التحليل.ولذلك فإن الدفاع عن النشر على أساس أن «المعلومة متاحة» لا يكفي وحده.
فالصحفي لا يسأل فقط: هل أستطيع الحصول على هذه المعلومة؟بل ينبغي أن يسأل أيضاً:ما الذي سيضيفه نشرها الآن؟ ومن الذي قد يستفيد من هذا الإضافة؟وهنا يصبح موقف عمار أكثر قوة.

 

 

 

خامساً: المفارقة التي التقطها عمار بذكاء

 

 

 

أكثر أجزاء مقال عمار إحكاماً، في تقديري، هو حين جعل براعة حسن نفسها موضعاً للحذر.فهو يقول له، بصورة تكاد تكون مفارقة: أنت لست كاتباً عادياً؛ أنت بارع في جمع الشظايا الصغيرة وربطها وإنتاج صورة استراتيجية متكاملة.هذا في ذاته مدح لقدرة حسن التحليلية.لكن عمار يقلب هذه الميزة إلى سؤال أمني:إذا كان الكاتب قادراً على جمع الخيوط واستنتاج الصورة الكبرى، فلماذا نفترض أن الخصم لا يستطيع أن يفعل الشيء نفسه؟
وهذه حجة ذكية للغاية.بل إن مثال «الدبلوماسية الرئاسية والعسكرية تحرز دستة أهداف من كرة واحدة ثابتة» الذي أورده عمار يخدم منطقه بقوة؛ لأنه يرى في المقال نفسه دليلاً على أن قوة الكاتب في الربط بين المعلومات قد تكون هي ذاتها سبباً للحذر منه عندما يتعلق الأمر بمعلومات عسكرية.
وهذه ملاحظة يصعب تجاوزها.

 

 

 

سادساً: ولكن هناك سؤال مقابل لعمار

 

 

 

في المقابل، يمكن توجيه سؤال مشروع إلى عمار نفسه:إذا كان الهدف من الحرب النفسية هو أن يعرف الخصم أننا نتحرك، وأن السودان يوسع خياراته العسكرية والسياسية، فكيف يمكن تحقيق هذا الهدف دون إعطاء الرأي العام معلومات ذات مضمون؟
بمعنى آخر:إذا أخفينا كل الشظايا، فكيف نصنع الصورة؟وهنا تتضح صعوبة الموازنة.فحسن محق في أن الحرب الإعلامية تحتاج إلى معلومات ورسائل وصور ووقائع.وعمار محق في أن كثرة التفاصيل قد تمنح الخصم مادة مجانية للتحليل.وبالتالي فإن الحقيقة ليست في أحد الطرفين وحده.
السجال الحقيقي: بين «الصدى» و«المعلومة»

ربما يمكن اختصار جوهر الخلاف كله في مفهومين:

حسن يريد الصدى.

وعمار يريد التحكم في المادة التي تصنع الصدى.

حسن ينظر إلى الزيارة بوصفها حدثاً ينبغي استثماره إعلامياً، وإلى التفاصيل بوصفها أدوات لصناعة صورة سياسية ونفسية.أما عمار فينظر إلى التفاصيل من زاوية أخرى: كلما زادت، زادت احتمالات أن يتحول الخبر من رسالة إعلامية إلى مادة تحليلية.والحقيقة أن كليهما ينظر إلى جزء صحيح من المشهد.الإعلام الذي لا يصنع صدى يفشل في أداء وظيفته أثناء الحرب.والإعلام الذي لا يحسب قيمة المعلومة بعد تجميعها قد يتحول، من حيث لا يقصد، إلى مصدر مجاني لمعلومات الخصم.

 

ومن هنا تأتي أهمية «اقتصاد التفاصيل»
المطلوب ليس الصمت.والمطلوب كذلك ليس الإفراط في النشر.المطلوب هو اقتصاد التفاصيل.أي أن تقول ما يكفي لتحقيق الهدف الإعلامي، ولا تقول ما يضيف قيمة عملياتية لا ضرورة لها.يمكن مثلاً أن يكون الهدف:أن يعرف الجميع أن رئيس هيئة الأركان السوداني زار تركيا.وأن يعرف الجميع أن هناك تعاوناً عسكرياً ودفاعياً متقدماً.وأن يعرف الجميع أن السودان يوسع خياراته وشراكاته.وأن تصل الرسالة إلى الخصم بأن الخرطوم ليست محاصرة كما يتوهم.
لكن ليس من الضروري أن يعرف الجميع كل تفصيل يتعلق بمكان الإقامة، وتسلسل الحركة، وتوقيت اللقاءات، ومن حضر ومتى غادر، وكيف رتبت اللقاءات، وما الذي يمكن استنتاجه من تتابعها.

 

وهنا ربما تكون العبارة التي اقترحها عمار جديرة بالتأمل:«فليعلم العدو أننا تحركنا، لكن لا يعلم كيف ومتى وإلى أين وبماذا تحركنا.»إنها، في جوهرها، قاعدة صالحة للإعلام الحربي إذا أُخذت باعتدال، لا باعتبارها دعوة إلى إخفاء كل شيء.عامل آخر لا يجوز إغفاله: وزن الكاتب
ومن أقوى نقاط حجة عمار أيضاً حديثه عن وزن حسن إسماعيل وموقعه وتأثير كلامه.فهناك فرق بين أن ينشر محلل سياسي معلومة، وبين أن ينشرها شخص ارتبط اسمه بالعمل السياسي والإعلامي وبمؤسسات الدولة ودوائرها.القارئ لا يقرأ الكلمات وحدها؛ يقرأ صاحب الكلمات أيضاً.
والخصم كذلك.وهذا يعني أن المسؤولية الإعلامية لا تتساوى بالضرورة بين جميع الكتاب.كلما ارتفعت مكانة الكاتب، واتسعت صلته بدوائر القرار، ازدادت قيمة ما يقوله، حتى عندما لا يقصد أن يقدم معلومة ذات قيمة أمنية.

 

 

وهذه من أقوى نقاط مقال عمار.
لكنها في الوقت نفسه تضع على حسن عبئاً إضافياً: أن يستخدم هذه المكانة لصناعة الردع الإعلامي، لا لتقديم خريطة مجانية للتحليل المعادي.
أين يلتقي الرجلان؟المثير في هذا السجال أن الرجلين، في حقيقة الأمر، متفقان على الأساسيات.كلاهما يريد نجاح زيارة العطا.كلاهما يريد رفع معنويات السودانيين.كلاهما يريد مواجهة الرواية المعادية.كلاهما يريد أن يعرف العالم أن للسودان خيارات وشراكات.وكلاهما، قبل ذلك كله، يقف في صف الدولة ومؤسساتها في معركة الكرامة.إذن لا توجد هنا معركة بين «وطني» و«غير وطني»، ولا بين «حريص» و«مفرط».إنها معركة تقدير بين إعلامي يرى ضرورة رفع الصوت، ومحلل يحذر من أن ارتفاع الصوت قد يكشف أحياناً أكثر مما ينبغي.وهذا تحديداً ما يجعل النقاش ناضجاً وجديراً بالاحترام.
من منهما أقرب إلى الصواب؟

 

إذا كان السؤال لا بد أن يُطرح بهذه الصيغة، فإنني أرى أن عمار أقوى في تشخيص الخطر النظري، بينما حسن أقوى في تشخيص الحاجة الإعلامية والسياسية.عمار أقوى حين يقول إن قيمة المعلومة لا تتحدد بسرّيتها فقط، وإن تجميع المعلومات المفتوحة قد ينتج قيمة جديدة.وحسن أقوى حين يذكّر بأن الحرب ليست ميداناً عسكرياً فقط، وأن إظهار تحركات الدولة وشراكاتها قد يكون جزءاً مشروعاً وضرورياً من إدارة المعركة.
لكن كلاهما يحتاج إلى شيء من حجة الآخر.

 

 

عمار يحتاج إلى ألا يجعل الحذر الأمني سبباً لإفراغ الإعلام من أدواته.وحسن يحتاج إلى ألا يجعل مشروعية الرسالة الإعلامية مبرراً للإفراط في التفاصيل.وهنا تكون المنطقة الأكثر حكمة بين الطرفين.كلمة أخيرة إلى حسن وعماريا حسن إسماعيل، ليست المشكلة أنك «نفخت» في مكرفون المعركة؛ فالمعركة تحتاج إلى أصوات قوية، وأنت واحد من الأصوات التي كان لها حضور واضح فيها.ويا عمار العركي، ليست المشكلة أنك أمسكت بالمكرفون وحذرت من ارتفاع الصوت؛ فالمعركة تحتاج أيضاً إلى من يسأل: ماذا سيسمع الخصم، وماذا سيستنتج مما سمع؟

 

 

 

 

لذلك فإن أفضل نتيجة لهذا السجال ليست أن ينتصر أحدكما على الآخر.بل أن يخرج منه مبدأ إعلامي سوداني أكثر نضجاً:

 

 

ارفع صوت الرسالة، واخْفض تفاصيل المعلومة الحساسة.أعلن ما تريد أن يعرفه الخصم، واتركه يبحث عما لا تريد أن يعرفه.

 

 

 

اصنع الصدى، لكن لا تصنع الخريطة.فالصحافة في زمن الحرب ليست مجرد نقل للمعلومة، كما أن الأمن ليس دعوة إلى الصمت.إنها عملية دقيقة بين ما ينبغي أن يُقال، وما يمكن أن يُقال، وما لا ينبغي أن يُقال.وفي هذه المنطقة الرمادية تحديداً تظهر براعة الصحفي، ووعي المحلل، ومسؤولية صاحب الكلمة.ولعل أجمل ما في سجال الرجلين أنه انتهى، رغم سخونته، إلى اعتراف متبادل بالنية الوطنية.وهذا هو المطلوب.فالاختلاف بين أبناء الصف الواحد ليس مشكلة؛ المشكلة حين يتحول الاختلاف إلى تخوين.أما أن يختلف إعلاميان كبيران حول أفضل طريقة لخدمة القضية نفسها، فهذا ليس ضعفاً في الصف، بل دليل على أن هناك عقولاً تفكر، وتراجع، وتحذر، وتجادل.وفي النهاية، قد يكون المطلوب من حسن وعمار معاً أن يفعلا الشيء الأصعب:أن نسمع العالم صوت السودان عالياً… دون أن نمنح خصوم السودان أذناً إضافية تسمع ما لم يكن ينبغي لها أن تسمعه.