آخر الأخبار

الحرب التي لا تُروى كاملة .. الخرطوم تنزف من الذاكرة… فمن يملك حق تجاهل المأساة؟ (2)

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*لم تكن جولتي في الخرطوم مجرد مرور في شوارع مدينة خرجت لتوها من حرب؛ كانت مواجهة مباشرة مع ذاكرة موجعة، ودرسًا حيًّا في حجم الكارثة التي خلّفتها حرب أبريل 2023م.. كلما تقدمت في الطريق، بدا الخراب وكأنه شهادة صامتة على سنوات من الألم: منازل فقدت أصحابها، منشآت تبدلت معالمها، مرافق عامة خرجت من الخدمة، وأسواق ومصانع ومؤسسات كانت ذات يوم تنبض بالحياة، فإذا بها تحمل آثار النهب والتدمير والحريق.

*الخرطوم التي عرفناها لم تعد كما كانت.. والمأساة لا تختصر في المباني التي تهدمت، لأن الأخطر هو ما أصاب الإنسان نفسه: أسرة فقدت عزيزًا، وطفل حُرم من مدرسته، ومريض لم يجد مستشفاه، وموظف فقد مصدر رزقه، ومواطن ترك منزله بحثًا عن الأمان. هذه ليست أرقامًا في تقرير؛ إنها حكايات بشرية ينبغي أن تظل حاضرة في الذاكرة الوطنية.. ومن هنا يصبح السؤال أكبر من مجرد توصيف ما حدث: هل يجوز أن نتجاوز هذه المأساة سياسيًا قبل أن نواجه حقيقتها أخلاقيًا وقانونيًا وإنسانيًا؟.

*في أديس أبابا انطلقت، في 22 أغسطس 2026م، اجتماعات تشاورية لقوى سياسية ومدنية وشخصيات عامة لمناقشة تطورات الحرب والسلام ودعوة الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى الحوار.. ومن حق أي قوى سياسية ومدنية أن تناقش مستقبل السودان وأن تختلف في رؤيتها للحوار والسلام، لكن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى محاولة لمحو ذاكرة الضحايا أو مساواة من حمل السلاح بالدولة والمواطنين الذين دفعوا ثمن الحرب.. والقول إن الحوار لا يمكن أن يبدأ قبل وقف الحرب يمكن مناقشته سياسيًا، وكذلك المطالبة بضمانات ومرجعيات وآليات لتنفيذ المخرجات.. لكن هناك قضية لا ينبغي أن تكون موضع مساومة: العدالة ومحاسبة كل من ارتكب جريمة بحق الشعب السوداني، أياً كان موقعه أو صفته أو انتماؤه.

*إن الدعوة إلى الحوار لا تعني إسقاط المحاسبة، والسلام الحقيقي لا يعني العفو عن الجرائم قبل التحقيق فيها، ولا يمكن أن تكون طاولة التفاوض بابًا لإعادة إنتاج الأزمة أو منح الشرعية السياسية لمن تورط في قتل المدنيين ونهب الممتلكات وتدمير مؤسسات الدولة.. وإذا كان ثمة حوار، فينبغي أن يكون حوارًا سودانيًا جادًا حول مستقبل البلاد، لا صفقة ثنائية تمنح المليشيا أو قياداتها ما لم تحصل عليه عبر السياسة بعد أن عجز السلاح عن تحقيقه.. وهنا ينبغي أن يكون الموقف واضحًا: المحاسبة ليست انتقامًا، والعدالة ليست عقبة أمام السلام.. بل إن غياب العدالة هو الذي يزرع حربًا جديدة داخل الحرب القديمة. وكل من تثبت مسؤوليته عن الجرائم يجب أن يُحاسب فردًا فردًا، وفق القانون والأدلة والمحاكم المختصة، بعيدًا عن التعميم أو التشفي أو الانتقام الجماعي.

*لقد دفعت الخرطوم ثمنًا باهظًا.. وما رأيناه من آثار الدمار يؤكد أن ملف الحرب لا يمكن اختزاله في بيانات سياسية أو مؤتمرات خارجية. نحتاج إلى مشروع وطني ضخم لتوثيق كل ما حدث: تصوير المباني والمنشآت المتضررة، حصر الممتلكات، جمع شهادات الضحايا، توثيق حالات النزوح والقتل والنهب، وحفظ الأرشيفات والصور والوثائق، حتى يصبح التاريخ قائمًا على الأدلة لا على الروايات المتصارعة.. وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الإعلام السوداني. فالإعلام الذي لا يوثق المأساة في لحظتها يترك فراغًا سرعان ما تملؤه روايات الآخرين. وما تعرضت له الخرطوم وأم درمان يجب أن يتحول إلى أرشيف وطني مفتوح للأجيال القادمة، لا إلى ذاكرة فردية تتناقلها الأسر والناجون.

*وفي المقابل، فإن بسالة القوات المسلحة وتضحيات الشهداء والجرحى في معركة استعادة الخرطوم تستحق التوثيق أيضًا، ليس باعتبارها مادة للدعاية، وإنما باعتبارها جزءًا من تاريخ الحرب.. فقد كانت المعركة في جوهرها صراعًا حول بقاء مؤسسات الدولة وقدرتها على استعادة السيطرة على العاصمة وتأمين المواطنين.. لكن الانتصار العسكري، مهما كان مهمًا، لا يكتمل إلا بانتصار آخر: انتصار الدولة على الخراب، والقانون على الفوضى، والإعمار على آثار الحرب، والحقيقة على التضليل.

*أما أن تتحول المأساة إلى ورقة تفاوضية، وأن يُطلب من الضحايا أن ينسوا ما حدث باسم السلام، فذلك سلام هش لا يصمد.. السلام الذي نريده يجب أن يقوم على وقف الحرب، وحماية المدنيين، ونزع سلاح المليشيات، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق العدالة، ثم فتح الباب أمام حوار وطني واسع لا يستثني السودانيين لمجرد اختلافهم السياسي، ولا يسمح في الوقت ذاته بتحويل السلاح والجرائم إلى بطاقة عبور نحو السلطة.

*الخرطوم لا تطلب الانتقام؛ إنها تطلب الحقيقة. ولا تطلب استمرار الحرب؛ إنها تطلب سلامًا يحفظ دماء الذين رحلوا وكرامة الذين بقوا.. ومن شاهد الخرطوم بعد الحرب يعرف أن الكلام عن السلام لا يكفي؛ فهناك مدينة تنتظر أن تُعاد إليها الحياة، وهناك وطن ينتظر أن يستعيد ثقته في نفسه.. إن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه اليوم هو أن نختلف حول السياسة وننسى الإنسان.. فالسياسة تتغير، والقيادات تتبدل، والاتفاقيات تُكتب وتُلغى، لكن آثار الجريمة تبقى في ذاكرة الضحايا.

*ومن الخرطوم المكلومة، يصبح السؤال الحقيقي: هل نريد حوارًا ينهي الحرب فقط، أم سلامًا ينهي أسبابها ويمنع تكرارها؟.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى