آخر الأخبار

تحديات الوضع الصحي في السودان: الحرب كحاضنة للأوبئة والأزمات

 

عمرو خان

*من المعروف أن الحروب تفتح الأبواب أمام الأوبئة والكوارث الصحية، غير أن ما يواجهه السودان اليوم يتجاوز المعتاد. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انهارت البنية التحتية للقطاع الصحي بصورة شبه كاملة، مما جعل تفشي الأمراض والأوبئة نتيجة حتمية، بل وأصبح جزءًا من المشهد اليومي لحياة ملايين السودانيين.

 

*انهيار المنظومة الصحية: المستشفيات الكبرى في الخرطوم ودارفور وكردفان توقفت عن العمل، إما بسبب الدمار المباشر أو لغياب الكوادر الطبية والتمريضية التي فرت بحثًا عن الأمان. العجز في الأدوية والمستلزمات الطبية تضاعف بفعل انقطاع سلاسل الإمداد، وإغلاق الموانئ والمطارات، وغياب الأمن على الطرق. وحتى المراكز الصحية المتبقية تعمل في ظروف شبه بدائية، بلا كهرباء ولا ماء نظيف ولا تعقيم.

 

*الحصار ونزوح الملايين: نزوح أكثر من 10 ملايين سوداني داخل وخارج البلاد خلق بيئات مكتظة، تفتقر إلى أبسط معايير الصحة العامة. المخيمات والملاجئ العشوائية تحولت إلى أرض خصبة لانتقال الأمراض المعدية مثل حمى الضنك والكوليرا والملاريا. ومع ضعف الرقابة الصحية وغياب حملات التطعيم المنتظمة، أصبح الأطفال والنساء الحوامل الأكثر عرضة للخطر.

*تلوث المياه وانهيار الخدمات: شبكات المياه والكهرباء تضررت بشدة، ومعها تراجعت قدرة الناس على الحصول على مياه نظيفة. الاعتماد على مصادر سطحية أو ملوثة ساهم في انتشار أمراض الجهاز الهضمي. كما أدى توقف خدمات جمع النفايات إلى تراكم أكوام القمامة في المدن، وهو ما ساعد في تكاثر البعوض والذباب، ورفع معدلات الإصابة بالأمراض المنقولة بالنواقل.

*غياب الدولة وضعف الاستجابة: الحرب لم تكتفِ بتدمير المؤسسات، بل جمدت قدرة الدولة على التدخل. وزارات الصحة المحلية لا تمتلك الأدوات اللازمة، بينما المنظمات الدولية تعاني من صعوبات الدخول، أو القيود التي تفرضها الأطراف المتحاربة. كل ذلك جعل الاستجابة للأوبئة بطيئة ومجزأة، وهو ما سمح بانتشارها بوتيرة أسرع من المتوقع.

*السبب الأعمق للأزمة: إذا كانت الحروب في العادة تفتح الطريق للأمراض بسبب النزوح وسوء التغذية، فإن السودان يعيش حالة مركبة: غياب الدولة، وانهيار الخدمات، وفقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات، مع حصار يطاول الغذاء والدواء على السواء. هذه العناصر مجتمعة جعلت تفاقم الأزمة الصحية ليس مجرد انعكاس للحرب، بل نتيجة مباشرة لتحول البلاد إلى فراغ إداري وصحي لا تستطيع أي جهة سده منفردة.

*فرصة لإعادة البناء في ظل الانتصارات العسكرية:

اليوم، ومع تقدم القوات المسلحة السودانية في الحرب وانتصارها في العديد من المعارك، وتحرير المزيد من المدن من سيطرة المليشيات، بات بإمكان الدولة أن تعيد وضع الأساس لنظام صحي منظم. إلا أن هذه الفرصة تأتي في ظل تحديات هائلة: نقص التمويل، غياب الكوادر المؤهلة بعد موجة النزوح، وضرورة إعادة تأهيل البنية التحتية الطبية من الصفر. ما يعني أن أي عملية لإحياء النظام الصحي ستتطلب جهدًا استثنائيًا، وتعاونًا وثيقًا مع المنظمات الدولية، إضافة إلى خطط وطنية عاجلة لمكافحة الأوبئة.

*واخيرًا؛ ما أود قوله هو: أن الوضع الصحي في السودان اليوم ليس مجرد أزمة طارئة، بل هو أحد أخطر ملامح الانهيار العام الذي أفرزته الحرب. وإذا كان معروفًا أن النزاعات تنشر الأمراض، فإن ما يحدث في السودان يكشف كيف يمكن للحرب أن تتحول إلى بيئة تُعيد إنتاج الأوبئة وتضاعفها، في غياب الدولة والنظام. لكن الانتصارات العسكرية الأخيرة فتحت نافذة أمل، تمنح السودان فرصة للبدء في إعادة بناء منظومته الصحية، شريطة أن تُدار بواقعية، وبحساسية للتحديات التي يفرضها الحاضر.

*كاتب صحفي مصري