
اجتماع نيروبي وتحالف (صمود).. هل تستطيع القوى المدنية النجاة بعد أفول الدعم السريع؟
عمرو خان
*جاء اجتماع نيروبي الأخير للقوى السودانية المتحالفة تحت مظلة (صمود) في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع التحولات العسكرية المتسارعة داخل السودان، وتراجع نفوذ ميليشيا الدعم السريع في عدد من المحاور الاستراتيجية، الأمر الذي فتح الباب واسعًا أمام تساؤلات عميقة حول مستقبل التحالفات السياسية التي تشكلت خلال الحرب، ومدى قدرتها على البقاء بعد تغير موازين القوة على الأرض.
*وضم اجتماع نيروبي شخصيات وقوى مدنية وسياسية ارتبطت بمواقف داعمة لمسار التفاوض ووقف الحرب، من بينها قيادات من تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم) سابقًا، إلى جانب شخصيات محسوبة على التيار المدني المعارض للحرب، وبعض الحركات المسلحة والقوى الإقليمية المتحالفة معها سياسيًا.
*كما شاركت مجموعات مرتبطة بمشروع (حكومة تأسيس) الذي طُرح باعتباره محاولة لإنتاج سلطة مدنية موازية أو إطار سياسي انتقالي جديد خارج المعادلة التقليدية القائمة في بورتسودان قبل العودة إلي الخرطوم.
*ومن أبرز المكونات التي ارتبط اسمها بمشاورات نيروبي أو بمشروع (صمود) قوى من حزب الأمة القومي، وتيارات من الحرية والتغيير، وشخصيات قريبة من رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، إضافة إلى عناصر من بعض الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق جوبا، ومجموعات شبابية ومدنية حاولت إعادة تقديم نفسها كبديل سياسي لمرحلة ما بعد الحرب.
*لكن الأزمة الجوهرية التي تواجه هذا التحالف تتمثل في أن كثيرًا من مكوناته تشكلت سياسيًا في ظل واقع الحرب، أو بنت خطابها على فكرة التوازن بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع، وهو توازن يبدو اليوم في طريقه إلى الانهيار مع استمرار تقدم القوات المسلحة السودانية واستعادة مساحات واسعة من البلاد.
*وفي هذا السياق، برز مشروع (حكومة تأسيس) كواحد من أكثر الملفات إثارة للجدل داخل الاجتماع.. فالمشروع الذي رُوّج له باعتباره مدخلًا لإنهاء الحرب وبناء سلطة مدنية انتقالية، يواجه انتقادات واسعة من قوى سودانية ترى فيه محاولة لإعادة إنتاج النفوذ السياسي لبعض المجموعات خارج الإرادة الشعبية، أو منصة سياسية يمكن أن تتحول إلى غطاء مدني لقوى فقدت أدواتها العسكرية على الأرض.
*كما أن الحديث عن تشكيل حكومة موازية في ظل استمرار الحرب وانقسام الجغرافيا السودانية أثار مخاوف من تعميق حالة التشظي السياسي والمؤسسي، خاصة مع تمسك الحكومة السودانية بشرعيتها الدولية والإقليمية، ورفضها أي محاولات لإنشاء كيانات سياسية بديلة خارج مؤسسات الدولة.
*ويبدو أن تحالف (صمود) بات يواجه اليوم معضلة وجود حقيقية؛ فزوال أو تراجع الدعم السريع لا يعني فقط خسارة حليف عسكري غير مباشر لبعض القوى، بل يعني انهيار البيئة السياسية التي سمحت لهذا التحالف بالتحرك والمناورة طوال الشهور الماضية.. لذلك تحاول بعض مكونات التحالف إعادة التموضع سريعًا عبر خطاب جديد يركز على الحل المدني وإعادة الإعمار ووقف الانهيار الاقتصادي، في محاولة لفك الارتباط مع صورة الحرب.
*غير أن هذا التحول يواجه تحديات كبيرة، أبرزها فقدان الثقة الشعبية داخل قطاعات واسعة من السودانيين، خاصة بعد الاتهامات التي وُجهت لبعض القوى المدنية بالصمت تجاه الانتهاكات التي شهدتها مناطق عديدة خلال الحرب، بما في ذلك عمليات القتل والنهب والنزوح الواسع.
*وفي المقابل، يدرك قادة (صمود) أن السودان بعد الحرب لن يكون قادرًا على الاستقرار دون وجود عملية سياسية مدنية واسعة، لكن السؤال الأهم يتمثل في: هل تستطيع هذه القوى إعادة إنتاج نفسها بعيدًا عن التحالفات المرتبطة بمرحلة الحرب؟ وهل تمتلك بالفعل مشروعًا وطنيًا متماسكًا قادرًا على إقناع الشارع السوداني؟.
*المشهد الإقليمي والدولي بدوره بدأ يتغير بصورة واضحة.. فالكثير من العواصم التي كانت تدفع نحو صيغ تفاوضية مرنة باتت أكثر اهتمامًا بمسألة الحفاظ على الدولة السودانية ومنع تفكك المؤسسات، وهو ما يعزز فرص التعامل مع الجيش السوداني باعتباره القوة الأكثر تنظيمًا وقدرة على فرض الاستقرار في المرحلة المقبلة.
*ومع تصاعد الانشقاقات داخل الدعم السريع، وتراجع قدراته اللوجستية والعسكرية، تبدو القوى المرتبطة بمشروع (صمود) أمام خيارين لا ثالث لهما: إما مراجعة شاملة للمواقف والتحالفات والانخراط في مشروع وطني جديد قائم على وحدة الدولة السودانية، أو مواجهة خطر التآكل السياسي والعزلة التدريجية مع نهاية الحرب.
*وفي جميع الأحوال، فإن اجتماع نيروبي كشف حقيقة أساسية مفادها أن السودان دخل بالفعل مرحلة إعادة تشكيل للخريطة السياسية، وأن القوى التي ستبقى في المشهد ليست بالضرورة الأكثر صخبًا خلال الحرب، بل الأكثر قدرة على التكيف مع واقع ما بعد السلاح.
*كاتب صحفي مصري