آخر الأخبار

بين إصلاح الخدمة المدنية وتمديد الأعمار الوظيفية.. من يحجز المستقبل عن أبنائه؟

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*في خضم الجدل الواسع الذي أثارته التسريبات المتعلقة بتقرير إصلاح الخدمة المدنية، وما تبعها من نفي رسمي لرئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس لوجود قرارات تستهدف إعفاء أعداد كبيرة من العاملين، برزت مفارقة تستحق التوقف عندها طويلاً. فبينما يجري الحديث عن إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة وتقليص الترهل وتحسين الكفاءة، تستمر في المقابل سياسة التمديد المتكرر لبعض كبار المسؤولين الذين تجاوز بعضهم السن القانونية للمعاش بسنوات طويلة، بل إن بعض الحالات المتداولة تشير إلى اقتراب أصحابها من العقد الثامن من العمر وهم ما زالوا يشغلون مواقع تنفيذية عليا في الدولة.

*هذه المفارقة ليست مجرد قضية إدارية عابرة، وإنما تمثل أحد أهم الاختبارات الحقيقية لجدية أي مشروع إصلاح للخدمة المدنية.. فالإصلاح لا يبدأ من الحلقات الضعيفة أو من صغار الموظفين الذين أفنوا أعمارهم في الخدمة العامة، وإنما يبدأ أولاً من قمة الهرم الإداري ومن مراجعة فلسفة إدارة الموارد البشرية داخل الدولة.

*لقد أكد رئيس مجلس الوزراء أن اللجنة التي تم تشكيلها معنية بإصلاح الخدمة المدنية وليس بفصل العاملين بصورة جماعية.. وهذا حديث يجد الترحيب من حيث المبدأ، لأن الإصلاح الحقيقي ينبغي أن يستند إلى القانون والكفاءة والعدالة الاجتماعية لا إلى القرارات المتعجلة أو المعالجات الصادمة.. لكن الإصلاح نفسه يفقد كثيراً من مصداقيته إذا لم يتناول في الوقت ذاته ظاهرة التمديد المفتوح لكبار المسؤولين الذين استنفدوا سنوات خدمتهم القانونية منذ زمن بعيد.

*فالخدمة المدنية الحديثة تقوم على مبدأ التداول الوظيفي وتجديد الدماء وإتاحة الفرصة للأجيال الجديدة لتتدرج في السلم المهني وتكتسب الخبرات القيادية.. أما عندما تتحول بعض المواقع إلى مناصب شبه دائمة يحتكرها أفراد لسنوات طويلة بعد بلوغ سن المعاش، فإن ذلك يؤدي تلقائياً إلى تجميد المؤسسات وإغلاق منافذ الترقي أمام الكفاءات الشابة وإضعاف الحافز المهني داخل الجهاز الحكومي.

*ولا يتعلق الأمر هنا بالعمر البيولوجي للأشخاص أو بالتقليل من قيمة الخبرات المتراكمة، فالسودان يزخر بقيادات وطنية تمتلك تجارب وخبرات ثمينة ينبغي الاستفادة منها. *غير أن الاستفادة من الخبرة لا تعني بالضرورة البقاء في المواقع التنفيذية إلى ما لا نهاية. فهناك فرق كبير بين موقع المستشار الذي يقدم الرأي والخبرة، وبين الموقع التنفيذي الذي يتطلب إدارة يومية ومتابعة مستمرة وقدرة على مواكبة المتغيرات المتسارعة في الاقتصاد والإدارة والتقنية والسياسات العامة.

*إن الدول التي نجحت في بناء مؤسسات قوية لم تفعل ذلك عبر ربط مصير مؤسساتها بأشخاص مهما بلغت خبراتهم، وإنما عبر بناء نظم مؤسسية قادرة على إنتاج القيادات وتجديدها بصورة مستمرة. ولذلك فإن الإصرار على التمديد المتكرر لبعض المسؤولين يبعث برسالة سلبية مفادها أن الدولة عاجزة عن إنتاج بدائل مؤهلة داخل مؤسساتها، وهو أمر لا ينسجم مع أبسط قواعد الإدارة الرشيدة.

*وتبرز هذه القضية بصورة أوضح في الجدل الدائر حول منصب وكيل وزارة المالية.. وبغض النظر عن صحة أو عدم صحة كل ما يتم تداوله من تفاصيل وتسريبات بشأن الخلافات الإدارية والسياسية المصاحبة للملف، فإن جوهر النقاش ينبغي ألا ينحصر في الأشخاص بقدر ما يتركز على المبدأ نفسه: هل من المصلحة العامة أن تستمر سياسة التمديد لسنوات طويلة بعد بلوغ السن القانونية للمعاش؟ وهل يخدم ذلك مشروع الإصلاح الإداري الذي تتحدث عنه الحكومة؟.

*إن الإجابة الموضوعية تقود إلى أن الأصل هو الالتزام بالقواعد العامة للخدمة المدنية، وأن يكون التمديد استثناءً محدوداً ومبرراً بضرورات وطنية واضحة ومؤقتة، لا أن يتحول إلى قاعدة مستمرة تفرغ سن التقاعد من معناها القانوني والإداري. فحين يصبح الاستثناء قاعدة، تفقد اللوائح هيبتها وتضطرب معايير العدالة الوظيفية.

*وإذا كانت بعض المؤسسات تعاني بالفعل من نقص في الكفاءات المتخصصة، فإن العلاج لا يكون بإبقاء الأشخاص أنفسهم إلى ما لا نهاية، بل بوضع برامج جادة لإعداد الصف الثاني والثالث من القيادات، ونقل المعرفة والخبرة بصورة مؤسسية تضمن استدامة الأداء واستقرار المؤسسات. أما استمرار الاعتماد على الوجوه نفسها لعقود طويلة فإنه يؤجل المشكلة ولا يحلها.

*ومن المؤسف أن كثيراً من المؤسسات الحكومية تعاني اليوم من اختلالات واضحة في الأداء والخدمات والتخطيط والتنفيذ.. وهذه الاختلالات لا يمكن فصلها عن طبيعة الإدارة العامة وآليات اختيار القيادات وتجديدها. فالإدارة ليست مجرد تراكم سنوات خدمة، وإنما هي قدرة على الابتكار والتطوير والاستجابة لمتطلبات المرحلة، وهي صفات لا ترتبط بالعمر وحده، لكنها تتأثر حتماً بغياب المنافسة وتجدد القيادات.

*إن الرأي العام لا ينتظر من الحكومة مجرد تقارير أو لجان أو نفي للتسريبات، وإنما ينتظر رؤية متكاملة للإصلاح تبدأ من أعلى مستويات الإدارة العامة، وتؤسس لمعايير واضحة وشفافة في التعيين والترقية والتمديد وإنهاء الخدمة. فالمعيار يجب أن يكون الكفاءة والمؤسسية وتكافؤ الفرص، لا العلاقات الشخصية ولا موازين النفوذ ولا اعتبارات المجاملة السياسية.

*ولذلك فإن أي مشروع حقيقي لإصلاح الخدمة المدنية ينبغي أن يتضمن مراجعة شاملة لسياسات التمديد بعد سن المعاش، ووضع ضوابط صارمة تجعل من التمديد حالة استثنائية نادرة تخضع لمبررات معلنة ومحددة زمنياً، مع فتح المجال أمام الكفاءات الجديدة لتتولى مواقع القيادة والمسؤولية.

*فالأمم لا تبنى بالحنين إلى الماضي وحده، ولا بإدارة المستقبل بعقول استنفدت كل فرص التجربة، وإنما ببناء جسر متوازن بين الخبرة المتراكمة والطاقة المتجددة. وحين تجد الخبرة موقعها الطبيعي في الإرشاد والاستشارة، وتجد الكفاءات الشابة فرصتها المشروعة في القيادة والإبداع، عندها فقط يمكن الحديث بجدية عن إصلاح حقيقي للخدمة المدنية وعن دولة قادرة على صناعة مستقبلها بدلاً من الارتهان لماضيها.

*إن السودان اليوم أحوج ما يكون إلى مؤسسات قوية لا إلى أفراد أقوياء، وإلى قواعد عادلة لا إلى استثناءات دائمة، وإلى تجديد مستمر للنخب الإدارية يواكب تحديات المرحلة. أما الإبقاء على المواقع التنفيذية رهينة للتمديد المتكرر، فإنه لا يمثل حماية للخبرة بقدر ما يمثل إهداراً لفرص التجديد، وتأجيلاً لاستحقاقات الإصلاح التي لا مفر منها مهما طال الزمن.