آخر الأخبار

بين تناقضات حمدوك… وموضوعية السنهوري

موطئ قلم

د. أسامة محمد عبدالرحيم

 

*انتهى بالأمس اجتماع ما يُعرف بـ(قوى إعلان المبادئ السوداني) بالعاصمة الكينية نيروبي، وهو اجتماع ضم طيفًا من القوى السياسية والمدنية الموقعة على ما سمّته إعلان المبادئ لبناء وطن جديد وفق رؤيتها الخاصة. غير أن القيمة الحقيقية لمثل هذه المحافل لا تكمن في بياناتها الختامية وحدها، ولا في الصور التذكارية أو الشعارات المرفوعة، وإنما في ما تكشفه خطابات قادتها من طبيعة التصورات، ومنهج التفكير، وترتيب الأولويات، وحدود الاتساق بين المبادئ المعلنة والمواقف العملية.

*وبعد الاستماع إلى خطاب كلٍ من الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء الأسبق ورئيس تحالف (صمود)، وإلى خطاب الأستاذ علي الريح السنهوري، أمين سر حزب البعث العربي الاشتراكي وأحد قادة هذه القوى، بدا المشهد وكأنه يقدّم رؤيتين مختلفتين داخل الفضاء السياسي ذاته؛ ليس بالضرورة في الشعارات الكبرى، وإنما في طريقة فهم الأزمة السودانية، وتشخيص أسبابها، وتحديد الطريق الممكن للخروج منها.

 

*فخطاب حمدوك- بصورة عامة- لم يحمل جديدًا يُذكر، لا من حيث المضمون، ولا حتى من حيث الإيقاع الخطابي والإيماءات ونبرات الصوت التي أصبحت مألوفة في معظم أحاديثه السابقة. ذات اللغة، وذات المفردات، وذات البناء السياسي الذي ظل يرافق مشروعه منذ سنوات، حتى بدا الخطاب امتدادًا لسابقاته أكثر من كونه مراجعةً أو تطويرًا لها.. لكن الإشكال الأهم لم يكن في غياب الجديد، بل في التناقضات التي حملها الخطاب نفسه.

*ففي تفسيره لسبب الحرب، يذهب حمدوك- في موضع- إلى تحميل الإسلام السياسي مسؤولية إشعالها، باعتبارها نتاجًا لمشروعٍ سياسي بعينه. ثم يعود—في موضع آخر—ليقرر أن الحرب ليست حادثةً منفصلة، وإنما تعبير عن أزمة ممتدة صاحبت السودان منذ الاستقلال، نتيجة الفشل في إدارة التنوع وبناء الدولة الوطنية.

*وهنا يبرز التناقض بوضوح؛ لأن الحرب- وفق التفسير الأول- مرتبطة بفاعل سياسي محدد، بينما هي- وفق التفسير الثاني- أزمة بنيوية أعمق من أي تيار أو جماعة. ولا يمكن للتشخيصين أن يستقرا معًا دون مراجعة دقيقة تحدد أيهما أصل الأزمة وأيهما أحد تجلياتها.

*ويمتد التناقض إلى الأساس الذي طرحه حمدوك نفسه للحل.. فالرجل تحدث عن إدارة التنوع، وعن حق المواطنة بلا تمييز، وعن دولة يتساوى فيها الناس بغض النظر عن انتماءاتهم. وهي مبادئ- في أصلها- جديرة بالنقاش والاعتبار.. غير أن الخطاب ذاته عاد ليستثني شريحة من السودانيين، هم الإسلاميون، من هذا الإطار، ليس عبر مسار قانوني أو قضائي، بل من خلال حكم سياسي وأخلاقي مسبق، يقوم على إقصاء من يُنظر إليهم باعتبارهم مسؤولين عن تخريب الحياة السياسية.

*وهنا لا ينهار الخصم السياسي فحسب، بل يتهدّم الأساس النظري الذي بُني عليه الخطاب نفسه.

*فإذا كانت المواطنة حقًا لا يُقاس بالانتماء الفكري، وإذا كان التنوع قيمة يجب إدارتها لا تصفيتها، فإن استثناء المختلف سياسيًا أو فكريًا من هذا الحق، قبل العدالة والقضاء والإثبات القانوني، يجعل المبدأ انتقائيًا، لا قاعدة عامة. والأزمات الوطنية لا تُحل بمبادئ تُطبَّق على البعض وتُعلَّق على آخرين.

*ويظهر التناقض كذلك في حديث حمدوك عن طبيعة الحل.. فمن جهة، يقرر أن المجتمع الدولي لا يمنح السودان سوى حلول مؤقتة و (مسكنات) تعود بعدها الأزمات إلى الانفجار من جديد، وأن الحل الحقيقي ينبغي أن يكون سودانيًا. لكن الخطاب نفسه يعود ليمنح الرباعية موقع المبادرة الأهم للحل، بوصفها- وفق منطقه- أهم المبادرات لأنها وضعت خارطة طريق والتزامات ومواقيت.

*وهنا لا يبدو الأمر مجرد اختلاف في ترتيب الوساطات، بل تناقضًا في تعريف مصدر الحل نفسه.. فإذا كان الحل سودانيًا خالصًا، فكيف تصبح المنصة الخارجية مركزه الحاسم؟ وإذا كانت الوساطات الدولية عاجزة عن إنتاج معالجة مستدامة، فلماذا تُمنح إحداها هذه الأفضلية الاستثنائية؟.

*ولعل الأكثر دلالة أن الإشادة بالرباعية لم تأتِ بوصفها إطارًا إجرائيًا فحسب، بل كأنها رسالة سياسية تحمل ما هو أبعد من التقنية الدبلوماسية. فحمدوك شكر كينيا ورئيسها، وأشاد بالقوى والمنظمات الراعية والداعمة، وخصّ الرباعية بموقعٍ متقدم، دون التوقف عند طبيعة الأدوار الإقليمية ومصالحها المتقاطعة.

*وهنا يصعب فصل الخطاب عن سياق الإقليم نفسه، حيث تتداخل المبادرات السياسية مع شبكات النفوذ والمال السياسي وتكامل الأدوار بين الرعاة الإقليميين. ولذلك فإن الإشادة المنفردة بالرباعية- في نظر كثيرين-لا تُقرأ باعتبارها توصيفًا فنيًا لمسار تفاوضي فحسب، بل باعتبارها تثبيتًا لدور إقليمي فاعل ومؤثر، بما في ذلك الدور الإماراتي داخل هذه المعادلة.

*وفي مقابل هذا البناء المليء بالتناقضات، جاء خطاب علي الريح السنهوري أكثر اتساقًا مع منطقه الداخلي، وأكثر موضوعية في ترتيب الأولويات.

*لم ينشغل الرجل بتقديم وصفة أيديولوجية للسودان، ولم يجعل الاشتراكية أو الرأسمالية أو أي مدرسة فكرية أخرى مدخلًا للحظة الراهنة، بل أعاد ترتيب السؤال من أساسه: ما الأولوية الآن؟ وكانت إجابته واضحة: وقف الحرب، واستعادة الأمن، وعودة الحياة إلى طبيعتها.

*ومن هنا انتقل إلى فكرة أكثر عمقًا؛ أن وقف الحرب لا يتحقق بفرض الوصاية على الشعب، ولا بادعاء أن القيادات السياسية القائمة هي وحدها صاحبة الحق الطبيعي في قيادة مسارات البلد، وإنما بإعادة السلطة إلى الشعب نفسه، وبالتراجع عن منطق الاحتكار السياسي وفتح المجال لتوحيد القوى السودانية على قاعدة أوسع.. وهذه- في تقديري- هي الجملة المحورية في الخطاب كله.. إن من يتقدم صفوف النضال من أجل الوطن، لا ينبغي أن يفترض تلقائيًا أنه الأحق بالسلطة فوق الوطن.

*فالسنهوري رفض فكرة (القوى المبرأة) في مقابل (الآخرين المدانين)، واعتبر أن منطق البراءة المطلقة والإدانة المطلقة لن يخرج السودان من أزمته.. كما دعا إلى العقلانية ونزع الغبائن والاحتكام للشعب بأقصر الطرق وأسرعها، مع الإقرار بأن القوى المجتمعة نفسها لا تزال تنقصها قوى وطنية أخرى ينبغي أن تنضم إلى هذا العقد.

*ولم يتوقف عند الداخل وحده، بل وضع الأزمة السودانية ضمن سياق إقليمي أوسع، يرى أن مشاريع التفتيت وإعادة رسم النفوذ لا تستهدف السودان منفردًا، وإنما تمتد إلى فضاء عربي وإقليمي أشمل.

*قد يختلف الناس مع بعض استنتاجات السنهوري أو تقديراته، لكن اللافت أن خطابه- على الأقل- ظل متسقًا مع مقدماته، ولم يهدم بنفسه الأساس الذي بنى عليه رؤيته.

 

*ولعل الفارق بين الرجلين هنا لا يعود إلى اختلاف المواقف وحده، بل إلى اختلاف التكوين نفسه؛ بين سياسيٍ تشكّلت أدواته داخل تعقيدات الفعل السياسي وتوازناته، وصقلته مدارس العمل العام واشتباكاته، وبين خبيرٍ دوليٍ قادمٍ من عالم المنظمات والإدارة العامة، حيث تختلف طبيعة المقاربة، وتختلف معها طريقة قراءة الأزمات وإدارة التناقضات.. ولعل هذا- في أحد وجوهه- ما يفسر المسافة بين السنهوري، السياسي المحنّك الذي يخاطب الأزمة من زاوية السياسة وإدارة التعدد الوطني، وبين حمدوك، خبير الإدارة الدولية الذي وجد نفسه على صهوة جواد السياسة بما تحمله من صراعاتٍ واشتباكات لا تُدار دائمًا بعقل المؤسسة أو لغة البرامج؛ فليست السياسة امتدادًا مباشرًا للإدارة، ولا تُدار الدولة بالأدوات ذاتها التي تُدار بها المؤسسات والمشروعات.

*ومن هنا تبدو المسألة أعمق من مجرد مقارنة بين رجلين أو خطابين فأزمة السودان لا تُحل بإعادة إنتاج منطق الفرز السياسي والأخلاقي، ولا بإدارة التنوع عبر استثناء بعض مكوّناته، ولا بادعاء احتكار الوطنية أو الوصاية على الشعب. كما أن الحل لا يصنعه مؤتمر، ولا منصة خارجية، ولا رعاية إقليمية مهما اتسعت علاقاتها، وإنما يصنعه عقد وطني واسع، يعترف بحق المختلف في الوجود السياسي والفكري، ويحتكم إلى الشعب والقانون لا إلى التصنيفات المسبقة.

*وهنا يعود سؤال العنوان.. هل الفرق بين حمدوك والسنهوري فرق مقدار داخل المدرسة السياسية ذاتها، أم فرق نوع في فهم الأزمة وطريق الخروج منها؟ ربما يظل الجواب مفتوحًا، لكن المؤكد أن السياسة لا تُقاس فقط بجمال الشعارات أو دفء الكلمات، بل بقدرتها على الاتساق مع نفسها أولًا… قبل أن تطلب من الوطن أو المواطن أن يثق بها.