
هل تُترك هيئات الإذاعة والتلفزيون الولائية لتواجه مصيرها؟
أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*عندما يُكتب تاريخ الإعلام السوداني الحديث، فإن تجربة الإذاعات والتلفزيونات الولائية ستظل واحدة من أهم التجارب الإعلامية التي عرفتها البلاد منذ الاستقلال، ليس فقط لأنها وسّعت دائرة البث والخدمة الإعلامية إلى أطراف السودان المختلفة، وإنما لأنها أسهمت في بناء الوعي الوطني، وصناعة الكوادر المهنية، وربط المركز بالأقاليم، ونقل التنوع الثقافي والاجتماعي السوداني إلى فضاء الإعلام القومي.
*لقد ارتبطت فكرة إنشاء الإذاعات الولائية والموجهة والمتخصصة ارتباطاً وثيقاً بالمشروع الإعلامي الكبير الذي قاده الراحل البروفيسور صلاح الدين الفاضل، الذي يُعد بحق المدير المؤسس لهذه التجربة على مستوى السودان.. فقد أدرك مبكراً أن السودان، بما يمتلكه من مساحة شاسعة وتنوع ثقافي ولغوي واجتماعي، لا يمكن أن تُدار رسالته الإعلامية من الخرطوم وحدها، وأن نجاح الإعلام القومي مرهون بوجود أذرع إعلامية قوية في الولايات، قادرة على التعبير عن هموم المواطنين وقضاياهم المحلية، وفي الوقت نفسه تعزيز الانتماء الوطني الجامع.
*ومنذ انطلاق هذه التجربة، لعبت الإذاعات والتلفزيونات الولائية أدواراً مهمة في مجالات التنمية والتوعية والتعليم والإرشاد الزراعي والصحي والثقافي، كما أصبحت مدارس حقيقية لتخريج آلاف الإعلاميين والفنيين والمخرجين والمذيعين والمنتجين الذين انتشروا لاحقاً في مختلف مؤسسات الإعلام السوداني.. ولم يكن من المبالغة القول إن كثيراً من رموز الإذاعة والتلفزيون في السودان كانت بداياتهم المهنية في هذه المؤسسات الولائية التي شكّلت معامل حقيقية لصناعة الخبرة الإعلامية.
*غير أن هذه التجربة تعرضت خلال مسيرتها إلى العديد من المنعطفات الإدارية والسياسية. وكان من أبرز تلك المنعطفات القرارات التي صدرت عام 2003 إبان إدارة الدكتور أمين حسن عمر للهيئة السودانية للإذاعة والتلفزيون، والتي ترتب عليها فصل الهيئات الولائية عن الهيئة الأم، في إطار سياسات الحكم الاتحادي التي كانت سائدة آنذاك.. وربما كانت تلك القرارات تستند إلى فلسفة إدارية مرتبطة بظروف تلك المرحلة، إلا أن النتائج العملية التي تلتها أظهرت بمرور الوقت وجود تحديات كبيرة في التمويل والتأهيل والتدريب والتطوير الفني، فضلاً عن التفاوت الواضح بين الولايات في القدرة على إدارة المؤسسات الإعلامية وتوفير احتياجاتها.
*ومع مرور السنوات، تراجعت أوضاع العديد من الهيئات الولائية، وأصبحت تعاني من ضعف الإمكانات وقلة التدريب وتدهور البنى التحتية، في وقت كانت فيه الثورة التقنية والإعلامية تتسارع بصورة غير مسبوقة.. وبينما كانت المؤسسات الإعلامية حول العالم تتجه نحو الرقمنة وتطوير المحتوى والمنصات المتعددة، كانت بعض المؤسسات الولائية تكافح من أجل المحافظة على الحد الأدنى من البث والاستمرارية.
*ومن هنا جاءت أهمية قرار مجلس الوزراء رقم (119) لسنة 2024، الذي مثّل في نظر كثير من المهتمين بالشأن الإعلامي واحداً من أهم القرارات الإصلاحية في تاريخ الإعلام السوداني الحديث، لأنه أعاد الهيئات الولائية إلى الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، وأعاد الاعتراف بوحدة المشروع الإعلامي القومي، وفتح الباب أمام معالجة التشوهات الإدارية والمالية والفنية التي تراكمت عبر أكثر من عقدين من الزمان.
*وكان المنتظر بعد صدور القرار أن تبدأ عملية تنفيذ واسعة ومدروسة تشمل إعادة هيكلة المؤسسات، ومعالجة أوضاع العاملين، وتحديث البنية التحتية، ووضع استراتيجية وطنية موحدة للمحتوى الإعلامي، وتطوير التدريب والتأهيل المهني، واستعادة الدور الحيوي لهذه المؤسسات في بناء الوعي الوطني في مرحلة تُعد من أخطر مراحل الدولة السودانية.
*لكن المتابع للمشهد الإعلامي يلاحظ أن النقاش أخذ يتجه بصورة متزايدة نحو إنشاء مراكز إقليمية جديدة للإذاعة والتلفزيون، بدءاً من ولاية البحر الأحمر، ثم الإعلان عن مركز إقليمي ثانٍ بولاية نهر النيل. ورغم أهمية وجود مراكز بث احتياطية واستراتيجية في ظل الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، إلا أن السؤال المشروع الذي يفرض نفسه هو: هل الأولوية اليوم لإنشاء هياكل جديدة أم لإنقاذ المؤسسات القائمة أصلاً؟.
*إن القضية لا تتعلق بمبانٍ أو لافتات أو مسميات إدارية، وإنما تتعلق بمشروع إعلامي وطني متكامل. فالسودان لا يعاني من نقص المؤسسات بقدر ما يعاني من ضعف التأهيل والتشغيل والتخطيط. ولذلك فإن كثيراً من المهتمين بالشأن الإعلامي يرون أن الأولوية ينبغي أن تكون لتنفيذ قرار مجلس الوزراء تنفيذاً كاملاً، وإعادة بناء الهيئات الولائية، وتوفير الموارد اللازمة لها، وتمكينها من أداء رسالتها في هذه المرحلة الحرجة.
*وتزداد أهمية هذا الطرح إذا نظرنا إلى حجم التحديات الوطنية الراهنة. فالسودان اليوم يواجه حرباً وتمزقاً اجتماعياً ونزوحاً واسعاً واستقطاباً حاداً وتراجعاً في الخدمات العامة، وهي كلها تحديات تحتاج إلى إعلام قوي ومهني ومتجذر في الولايات والمجتمعات المحلية. فالقضية لم تعد قضية وظائف أو هياكل إدارية أو كشوفات مرتبات، وإنما أصبحت قضية محتوى وطني جامع قادر على ترميم النسيج الاجتماعي وتعزيز الهوية الوطنية ومواجهة خطاب الكراهية والتفكك.
*إن الهيئات الولائية ليست عبئاً على الدولة كما قد يتصور البعض، بل هي جزء من الحل. وهي ليست مجرد مؤسسات توظيف، بل منصات استراتيجية للتواصل المجتمعي والتنمية الثقافية والفكرية. ولذلك فإن أي رؤية إصلاحية للإعلام السوداني يجب أن تنطلق من الاستثمار في هذه المؤسسات لا من تجاوزها أو تهميشها.
*ومن المؤسف أن كثيراً من الكوادر الإعلامية التي أفنت أعمارها في خدمة الإذاعة والتلفزيون أصبحت تشعر اليوم بأنها تُركت لمصيرها، وأن خبراتها الطويلة لم تعد تحظى بالتقدير الذي تستحقه.. والحقيقة أن أي مشروع إعلامي ناجح لا يُبنى بالأجهزة وحدها، وإنما يُبنى أولاً بالإنسان المؤهل والخبرة المتراكمة والذاكرة المهنية والمؤسسية.
*ولذلك فإن المطلوب اليوم من وزارة الثقافة والإعلام ومن الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون ليس فقط الحديث عن المستقبل، وإنما أيضاً إنصاف الماضي والحاضر. فقبل التفكير في إنشاء مؤسسات جديدة، يجب تقويم المؤسسات القائمة، ومعالجة أوضاعها، وإعادة الاعتبار للعاملين فيها، ووضع خطة قومية واضحة لتطوير المحتوى والبنية التحتية والتدريب والحوكمة.
*إن التاريخ سيذكر للوزير خالد الأعيسر جهوده في ظروف بالغة التعقيد فرضتها الحرب، كما سيذكر له جهوده في استعادة الآثار المنهوبة، وتحريك ملفات الثقافة والسياحة والإعلام. لكن التاريخ نفسه سيسأل: ماذا حدث لمشروع الإذاعات والتلفزيونات الولائية؟ وماذا جرى لقرار مجلس الوزراء رقم (119) لسنة 2024؟ وهل تحولت الأولويات من إصلاح المؤسسات القائمة إلى بناء هياكل جديدة بينما المؤسسات التاريخية تقف على حافة التآكل؟
إن السودان لا يحتاج اليوم إلى المزيد من المباني بقدر ما يحتاج إلى المزيد من الرؤية.. ولا يحتاج إلى مؤسسات جديدة بقدر ما يحتاج إلى إحياء مؤسساته العريقة.. فهذه الإذاعات والتلفزيونات التي صنعت الوعي الوطني لعقود طويلة لا تستحق أن تُترك وحيدة في مواجهة التحديات، بل تستحق أن تُمنح فرصة جديدة لتواصل رسالتها في خدمة الوطن والمواطن.
*إن إنقاذ الإعلام الولائي ليس قضية إدارية عابرة، بل قضية وطنية بامتياز، لأن الإعلام القوي في الولايات يعني دولة أقوى، ومجتمعاً أكثر تماسكاً، ومستقبلاً أكثر استقراراً للسودان.