
التخصص الجامعي – تحديات ومستقبل (3-3)
درب التبانة
د. الحسين تاج الدين
*في حال غياب المرشد أو الموجّه الأكاديمي، خاصة في المناطق الطرفية التي تفتقر إلى كثير من الخدمات التعليمية والداعمة، غالبًا ما تتوزّع مسؤولية الإرشاد بين عدة جهات بديلة داخل المجتمع المدرسي وخارجه، وإن كانت بدرجات متفاوتة من الكفاءة والتأثير.
*في مقدمة هؤلاء يأتي المعلم، الذي يُعد الأقرب إلى الطالب بحكم التواصل اليومي داخل الفصل، وقدرته على ملاحظة ميول الطالب ومستواه الأكاديمي.. فكثير من المعلمين، حتى دون تدريب رسمي في الإرشاد، يلعبون دورًا محوريًا في تقديم النصيحة والتوجيه، خاصة في المواد المرتبطة بالتخصصات المستقبلية. كما أن إدارة المدرسة، ممثلة في المدير أو الوكيل، قد تتدخل لتقديم التوجيه العام، خاصة عند اتخاذ قرارات تتعلق بالمسار الدراسي أو الانتقال إلى مراحل تعليمية أعلى.
*ومن البدائل المهمة أيضًا الأسرة، التي غالبًا ما تتحمل العبء الأكبر في غياب المرشد، حيث يعتمد الطالب على والديه أو أحد أفراد أسرته في اتخاذ قرارات مصيرية تتعلق بالتعليم. غير أن هذا الدور قد يتأثر بمستوى الوعي والثقافة لدى الأسرة، ومدى اطلاعها على التخصصات الحديثة واحتياجات سوق العمل.
*وفي بعض الحالات، يلجأ الطلاب إلى زملائهم الأكبر سنًا أو خريجي المدرسة الذين مرّوا بنفس التجربة، فيحصلون منهم على نصائح عملية مبنية على خبرات واقعية، رغم أنها قد لا تكون دائمًا مبنية على أسس علمية دقيقة.. كما يمكن أن تلعب المجتمعات المحلية أو الشخصيات المؤثرة، مثل المعلمين المتقاعدين أو أصحاب الخبرة، دورًا غير رسمي في توجيه الطلاب.
*ومع تطور التكنولوجيا، بدأ يظهر بديل جديد يتمثل في المصادر الرقمية مثل الإنترنت ومنصات التعليم والاستشارات، حيث يستطيع الطالب الوصول إلى معلومات حول التخصصات والجامعات، بل وإجراء اختبارات ميول وقدرات عبر الإنترنت، وهو ما يعوّض جزئيًا غياب المرشد الأكاديمي.
*ومع ذلك، تبقى هذه البدائل حلولًا جزئية لا تغني عن وجود نظام إرشاد أكاديمي متكامل، إذ إن غيابه قد يؤدي إلى قرارات غير مدروسة تؤثر سلبًا على مستقبل الطالب. لذلك تبرز الحاجة إلى تدريب المعلمين، وتفعيل دور المدرسة، وتعزيز الوعي المجتمعي، إضافة إلى إدخال وسائل إرشاد بديلة منخفضة التكلفة تناسب طبيعة المناطق الطرفية.. وفي نهاية المطاف، في غياب المرشد، لا يوجد بديل واحد كامل، بل شبكة من الأدوار المشتركة التي تسعى، رغم محدوديتها، إلى سد هذا الفراغ وتوجيه الطالب نحو مستقبله.