آخر الأخبار

السودان وكشف الأقنعة …كيف سقطت شعارات الحياد والحماية الدولية

د. ميمونة سعيد

*منذ اندلاع الحرب وجدت عشرات المدن والقرى نفسها في مواجهة واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية والأمنية في تاريخ البلاد الحديث. وبينما تتساقط الضحايا وتتزايد أعداد النازحين وتتعرض البنى التحتية للخطر، يراقب السودانيون مشهداً دولياً يثير كثيراً من التساؤلات حول حقيقة الدور الذي تؤديه الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والحقوقية تجاه ما يجري على الأرض.. فبدلاً من مواقف حاسمة تتناسب مع حجم المعاناة الإنسانية، تبدو ردود الأفعال في كثير من الأحيان محصورة في بيانات القلق والدعوات العامة إلى ضبط النفس، وكأن المأساة السودانية مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار العالمية.

*لقد شهدت مدن سودانية عديدة خلال فترة الحرب انتهاكات خطيرة طالت المدنيين والمرافق الخدمية والأسواق والمؤسسات العامة.. وأصبح المواطن السوداني يتابع يومياً أخبار النزوح الجماعي، وانقطاع الخدمات الأساسية، وتدهور الأوضاع المعيشية، في ظل واقع أمني معقد ألحق أضراراً واسعة بالنسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. وفي المقابل، كان المنتظر من المجتمع الدولي أن يتحرك بالسرعة والحزم نفسيهما اللذين أظهرهما في أزمات أخرى شهدها العالم خلال السنوات الماضية.

*وهنا يبرز السؤال الذي يتردد على ألسنة كثير من السودانيين: لماذا يبدو المجتمع الدولي عاجزاً أو متردداً في التعامل مع الأزمة السودانية بالقدر المطلوب؟ ولماذا نشهد في مناطق أخرى من العالم تدخلاً سريعاً وتحركات دبلوماسية وإعلامية واسعة، بينما يظل السودان ينتظر إجراءات أكثر فاعلية لحماية المدنيين والتخفيف من آثار الحرب.

*إن الأمم المتحدة تقدم نفسها باعتبارها المنظمة الدولية المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين وحماية المدنيين وتعزيز حقوق الإنسان. كما أن المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية تؤكد باستمرار التزامها بالدفاع عن الضحايا أينما كانوا.. غير أن الواقع العملي كثيراً ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول مدى اتساق هذه المبادئ مع الممارسات الفعلية على الأرض.. فحين يشعر شعب ما بأن معاناته لا تحظى بالاهتمام الكافي مقارنة بأزمات أخرى، فإن ذلك يؤدي بطبيعة الحال إلى تراجع الثقة في المؤسسات الدولية وقدرتها على تطبيق معايير العدالة بصورة متساوية.

*ولا يعني ذلك بالضرورة وجود مؤامرة بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه يكشف عن خلل واضح في أولويات النظام الدولي وآليات الاستجابة للأزمات. فبعض النزاعات تستحوذ على اهتمام إعلامي وسياسي واسع بسبب موقعها الجيوسياسي أو ارتباطها بمصالح القوى الكبرى، بينما تجد أزمات أخرى نفسها في هامش الاهتمام الدولي رغم حجم المعاناة الإنسانية التي تخلفها. وهذه الحقيقة أصبحت موضع نقاش متكرر بين الباحثين والخبراء في العلاقات الدولية الذين يتحدثون عن ظاهرة الانتقائية الدولية في التعامل مع النزاعات والأزمات الإنسانية.

*لقد ظل السودان لسنوات طويلة يعاني من تحديات سياسية واقتصادية وأمنية متراكمة، لكن الحرب الحالية كشفت بصورة أكثر وضوحاً حدود النظام الدولي في الاستجابة السريعة للأزمات المعقدة.. فبينما تتواصل المعاناة اليومية للمدنيين، لا تزال الجهود الدولية أقل من مستوى التحديات المطروحة. وحتى عندما تصدر بيانات الإدانة أو القلق، فإنها غالباً ما تفتقر إلى الآليات التنفيذية القادرة على إحداث تغيير حقيقي في مسار الأحداث.

*ومن أكثر ما يثير الاستغراب لدى قطاعات واسعة من السودانيين أن بعض المؤسسات الدولية تبدو أكثر نشاطاً في توثيق الأحداث ونقل الأخبار من نشاطها في منع وقوع الانتهاكات أو الضغط الفعال لحماية المدنيين.. فالضحايا لا يحتاجون فقط إلى من يوثق معاناتهم، بل يحتاجون أيضاً إلى من يسهم في وقفها ومنع تكرارها.. وهنا تتجلى الفجوة بين الخطاب الإنساني الذي تتبناه المنظمات الدولية وبين توقعات المجتمعات المتضررة التي تنتظر إجراءات ملموسة على أرض الواقع.

*ورغم كل ذلك، فإن ما يلفت الانتباه في التجربة السودانية هو قدرة المجتمع على الصمود في مواجهة الظروف الاستثنائية. فقد أثبتت المدن السودانية، من خلال تماسكها الاجتماعي وتكاتف أهلها، أنها تمتلك من الإرادة ما يمكنها من تجاوز المحن مهما بلغت شدتها.. ففي ظل ضعف الاستجابة الدولية، اعتمد المواطنون على مبادراتهم الذاتية وعلى شبكات التضامن المجتمعي لتوفير المساعدات والدعم للمتضررين والنازحين.

*إن هذا الصمود لا يلغي حجم المأساة، لكنه يعكس قوة المجتمع السوداني وإيمانه بقدرته على تجاوز الأزمات. كما أنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الشعوب لا يمكن أن تظل رهينة لمواقف المجتمع الدولي أو تقلبات المصالح الدولية.. ومع ذلك، فإن استمرار الاعتماد على الصمود وحده لا يمكن أن يكون بديلاً عن المسؤولية القانونية والأخلاقية التي يفترض أن تتحملها المؤسسات الدولية تجاه المدنيين المتضررين من النزاعات المسلحة.

*لقد كشفت الحرب في السودان عن حاجة ملحة إلى مراجعة شاملة لآليات العمل الدولي في التعامل مع الأزمات الإنسانية. فالمعايير التي تُرفع تحت شعارات الحياد والنزاهة وحماية المدنيين يجب أن تطبق على جميع الشعوب دون تمييز أو انتقائية. كما أن مصداقية الأمم المتحدة والمنظمات الدولية ترتبط بقدرتها على إظهار قدر متساوٍ من الاهتمام والالتزام تجاه مختلف الأزمات، بغض النظر عن الحسابات السياسية أو الاقتصادية.

*وفي نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحاً أمام المجتمع الدولي: كيف يمكن إقناع الشعوب بعدالة النظام الدولي إذا كانت ترى تفاوتاً واضحاً في حجم الاهتمام والاستجابة بين أزمة وأخرى؟ إن السودان، وهو يواجه واحدة من أصعب مراحله التاريخية، لا يحتاج إلى مزيد من بيانات القلق بقدر حاجته إلى مواقف عملية تدعم حماية المدنيين وتخفف من معاناتهم. وحتى يحدث ذلك، ستظل مشاعر الإحباط والشكوك قائمة لدى كثير من السودانيين الذين يرون أن القناع قد سقط عن كثير من الشعارات التي طالما رُفعت باسم الإنسانية والعدالة الدولية.