آخر الأخبار

هل يحتاج الدين إلى تجديد؟

بعد .. و.. مسافة

مصطفى ابوالعزائم

 

*هذا السؤال طرحه ولا يزال يطرحه الكثيرون، وتساءل واحد من أبنائنا الشباب قبل أيام عما أشرنا إليه من قبل حول (الفهم العصري للقيم الدينية والحريات) وقال هل هذا هو التجديد أم محاولة للإستيعاب؟.. فاجبت بما يسر الله لي من إجابة، وهى أن الدين كامل ، ومكتمل ، ومتكامل ، وان القرآن بالنسبة للمؤمن هو الكتاب الجامع ، المستوعب لكل القضايا والمعالج لكل الظواهر، لذلك نرى أن الدين لا يحتاج للتجديد لكن الناس في حاجة إلى تذكير وإيقاظ مستمر لربط منهج الحياة العام بمنهج الدين، ويرى كثيرون أن الدعوة لتجديد الدين، هي دعوة للإنحراف بالتعاليم السماوية الكاملة والمكتملة والمتكاملة، وربما قادت إلى طريق لا يفضي إلى الحق، مهما كانت النوايا والإجتهادات، إذ أن أي دعوة للتجديد تتطلب موافقة العمل للفكر (الجديد) وتطابق الدعوة مع السلوك المطلوب ، وفق ما ينادي به المجددون.

*لم يقنع ما ذهبنا إليه من محاولة لتفسير ظاهر ومعنى التجديد لم يوافق من طرح علينا ذلك السؤال، وقال إننا كتبنا كثيراً عن الطرق الصوفية وهي حركات تجديدية .. بالطبع لم أوافق على هذا التعريف مستنداً على أن الطرق الصوفية كلها تدعو إلى إحياء السنة والإلتفاف حول راية (لا إله إلا الله) ولم تدع إلى تجديد الدين، وأن الصوفية خاصةً في السودان أسهمت في تكوين المجتمع الجديد بعد قيام سلطنة الفونج عام 1504م بعد إنهيار مملكة سوبا المسيحية، وجميعنا يعرف أن السودان كان يتكون من عدة ممالك وإمارات مسيحية، قبل قيام سلطنة الفونج بتحالف الفونج مع العبدلاب، وقد إهتمت السلطنة الإسلامية الوليدة بالطرق الصوفية ، وإجتذبت من خلالها عامة الناس لمساندة السلطان والدعاء له وللدولة المسلمة.

*السلطة الروحية كانت لدى الشيوخ، وربما الطرق الصوفية، بينما بقيت السلطة الدنيوية في يد الحكام والسلاطين.

*ولم تكن الطرق الصوفية (حركات تجديد) بالمعنى المعروف بل كانت حركات إحياء للدين ودعوة وقد وفدت إلى بلاد (السودان) وهو الإسم الذي كان يطلق على المنطقة جنوب الصحراء تمييزاً لها عن بلاد (البيضان)..نقول أن تلك الطرق الصوفية وفدت إلى بلاد السودان الحالية مع قيام السلطنة الزرقاء التي كانت فاصلة حضارية مهمة بكل ما تحمله من دلالات فكرية وثقافية جديدة ، وشجع السلاطين توافد العلماء ورجال الدين والمتصوفة الذين جاءوا على كل ضامر من الحجاز ومصر وشمال وغرب أفريقيا ليسهموا فى بناء المجتمع المسلم الجديد في الدولة الوليد.

*ويقول الدكتور علي صالح كرار في بحثه القيم (الطرق الصوفية في السودان .. منظور تاريخي) يقول : (أن الطرق الصوفية شكلت وجدان معظم أهل السودان ، وتركت آثاراً متعددة ومتجددة فى الحياة السودانية منذ منتصف القرن السادس عشر الميلادي ، مما أكسب هذه الأثار أهمية خاصة فى دراسة الأصول الفكرية للمجتمع والروافد المغذية والمؤثرة في تشكيل الشخصية السودانية وإرتباط ذلك بالمتغيرات الإجتماعية والثقافية والسياسية فى الحقب التاريخية المختلفة ولعلنا نتفق مع البروفيسور الراحل الشيخ حسن الفاتح قريب الله –الحديث للدكتور علي صالح كرار- فيما ذهب إليه من أن التصوف فى السودان يعتبر متنفساً طبيعياً و اتجاهاً حتمياً للمزاج الديني ، والنزعة الروحية الذي ظلت تجلل المجتمع السوداني) إنتهى ما كتبه الدكتور علي صالح كرار.

*في السودان لا نعتقد أن أحداً قد دعا إلى تجديد الدين سوى الراحل محمود محمد طه صاحب (الرسالة الثانية) وذلك من خلال الحزب الجمهوري أولاً، ثم حركة الأخوان الجمهوريين لاحقاً، وقد أحدثت تأثيرات عديدة فى المجتمع ، خاصةً فى أوساط الجامعات ودارسي الفلسفة والمتخصصيين فى دراسات علوم الأديان، وقد نشأت ضدها تيارات فكرية ودينية عديدة قادت بصاحب الفكرة ومؤسس الجماعة إلى حبل المشنقة أواخر حكم عهد الرئيس نميري، والذي كان قد سمح لحركة الأخوان الجمهوريين بحرية العمل الواسعة معظم فترات حكمه – وهذه من المفارقات – لينقلب عليها لاحقاً ويعدم مؤسسها ويكفر المقربين له من قياداتها ويدعوهم للاستتابة مستنداً على حكم اصدرته محكمة الخرطوم الشرعية في الثامن عشر من نوفمبر 1968م وهي ما عرفت حتى بين الجمهوريين بمحكمة الردة –لأنها أصدرت حكماً بردة الأستاذ محمود محمد طه رغم أنها لم تكن تملك تنفيذ أحكامها وأن الحكم والعقوبة كانا معنويين في المقام الأول لكنهما كانا الطريق الذي قاد زعيم الجمهوريين إلى حبل المشنقة في الثامن عشر من يناير 1985م.