آخر الأخبار

القرار1591 … هل من جدوى لتوسيع النطاق ؟

  • واشنطن سكتت لأكثر من ثلاث سنوات على خروقات المليشيا المتمردة للقانون الدولي الإنساني
  • قوة حجة مندوب السودان الدائم بالأمم المتحدة ستثمر خطوات ايجابية لتعزيز الأمن والسلم الدوليين
  • مساواة الجيش السوداني بالمليشيا فيه انتقاص للسيادة الوطنية

تقرير د. إبراهيم حسن ذوالنون:
كعادته وبمهنيته العالية وموثوقيته في اداء مهمته وثبات مواقفه المدافعة عن السودان في المحافل الدولية استطاع السفير السوداني مندوب السودان الدائم لدى الأمم المتحدة الحارث إدريس الحارث ان يجير بمرافعته القوية امام جلسة مجلس الامن الدولي أول أمس الاثنين المخصصة للاحاطة الانسانية بمجريات اثار الحرب المدمرة الممنهجة التي استهدفت كيان الدولة السودانية حيث تولت مليشيا الدعم السريع هذه المهمة بالوكالة عن دولة الامارات العربية المتحدة الداعم الرئيسي لحرب 15 ابريل 2023م الماثلة في السودان اذ لم يعد خافيا هذا الدعم على كل العالم بما فيه الولايات المتحدة الامريكية والتي مارست السكوت المخجل والتعاطي الخجول مع مسلك ابوظبي وهذا ربما يرسخ القناعة بان واشنطن ضالعة من رأسها إلى اخمص قدميها في ما جرى ويجري في السودان تمهيدا لانفاذ خطتها الرامية لتفتيت السودان ضمن مشروع الشرق الاوسط الجديد الذي صمم منذ بدايات عقد ثمانيات
القرن الماضي لصالح دولة الكيان الصهيوني والتي ليس من شك ان ابوظبي وكيلتها الشرعية إذ أن تأسيس دولة الامارات العربية المتحدة قد جاء بعد اقل من ست سنوات من حرب 5 يونيو(حيزران)1967م والتي صرحت بعد نهايتها رئيس وزراء اسرائيل وقتها جولدا مائير حين قالت انتصرنا في هذه الحرب وربما نخوض حربا او حروبا اخرى ليس هذا هو المهم ولكن من المهم ان نصنع دولة حليفة وصديقة لنا في قلب البلدان العربية وهذا ما حدث وبعد أن اكمل الأب المؤسس لدولة الامارات العربية المتحدة الشيخ زايد بن نهيان مهمة التأسيس بدأ خلفاؤه ابناؤه بقيادة محمد بن زايد في تحقيق رغبة وحلم رئيس وزراء اسرائيل الاسبق جولدا مائير

(1)


كانت مرافعة السفير الحارث ادريس الحارث في جلسة مجلس الأمن الدولي المخصصة للاحاطة بمجريات العملية الانسانية قوية جدا حيث اكد التزام الحكومة السودانية بحماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الانسانية إلى كل المتضررين من الحرب بالاضافة إلى تقديم كل ما يؤدي لتطبيع الحياة المدنية وتقديم الخدمات الحياتية الضرورية في كل المناطق التي دحرت القوات المسلحة والقوات المشتركة القوات المتمردة فيها وقد دعا السفير الحارث في مرافعته إلى رفض السودان القاطع لمقترح مشروع القرار الامريكي القاضي بتوسيع نطاق قرار مجلس الامن الدولي رقم 1591 الصادر في 29مارس 2005م والذي كان يهدف إلى معالجة الاثار الناجمة عن النزاع لحماية المدنيين والاستقرار في اقليم دارفور وقد برر السفير الحارث رفض الحكومة السودانية لمقترح مشروع القرار الامريكي بان مقترح مشروع القرار فيه مساواة مجحفة وظالمة لأنها ساوت بين الجيش السوداني النظامي المنسود في تشكيله وهياكله ومهامه بتدابير دستورية قانونية بل أن من مهامه الأساسية حماية البلاد وسيادتها كما انه ملتزم بالمعايير الدولية الحاكمة لحقوق الإنسان والتي كان السودان ولم يزل وسيظل جزءا من اتفاقياتها ومعاهداتها الدولية بل ملتزم بها نصا وروحا.. وبين مليشيا كانت جزءا منه وتمردت عليه وخرجت على شرعيته الدستورية والقانونية وانتهكت من خلال هذه الحرب الماثلة انتهاكات جسيمة بحق المدنيين الأبرياء العزل في انحاء متفرقة من السودان بل دمرت الأعيان المدنية الخدمية في مجالات الكهرباء والمياه والطرق والكباري والجسور والمرافق الصحية والمدارس والجامعات والمعاهد العليا الحكومية والأهلية فضلا عن التدمير الممنهج للمنشاءات والصروح التاريخية والأثرية والمراكز الثقافية الحاضنة للحضارة السودانية التي استهدف المليشيا المتمردة نسخها ومحوها من الوجود حيث تعرضت المتاحف والأثار للاتلاف والسرقات.

(2)

وتعيد (أصداء سودانية) لقرائها فحوى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1591 والذي صدر قبل واحد وعشرين سنة وبضعة أشهر وكان يهدف إلى التقليل من مخاطر النزاع باقليم دارفور في ولاياته الثلاث وقتها (شمال وجنوب وغرب) والتي اصبحت لاحقا خمس ولايات حيث انفصلت ولاية شرق دارفور وحاضرتها الضعين من ولاية جنوب دارفوروولاية وسط دارفور وحاضرتها زالنجي التي انفصلت من ولاية غرب دارفور.. حيث هدف القرار إلى توسيع حظر الأسلحة ليشمل جميع الاطراف المتحاربة في اقليم دارفور ودعم اتفاق السلام وتعزيز اتفاق انجمينا لوقف اطلاق النار وحظر السفر للافراد الذين يهددون الاستقرار ويعرقلون السلام في دارفور بالاضافة إلى تجميد الأصول والأموال والارصدة المالية للأشخاص المشمولين بالعقوبات.. ويستهدف القرار الأفراد الذين يرتكبون انتهاكات لحقوق الإنسان أو يعرقلون مهام العاملين في تقديم المساعدات الإنسانية كما أنشأ القرار آلية لمتابعة تنفيذ القرارات (لجنة شكلها مجلس الأمن لمتابعة تنفيذ القرار 1591) كما تم تشكيل فريق خبراء لتقديم تقارير دورية عن مدى التزام الأطراف المعنية بفحوى القرار.

(3)

وبدأ واضحا أن الولايات المتحدة الامريكية من خلال مقترح مشروع القرار الخاص بتوسيع نطاق تطبيق القرار 1591 إنها تستهدف ايقاف تقدم الجيش السوداني في محاور القتال المخلتفة والتي شهدت خارطتها العسكرية الاضمحلال الواضح لمليشيا الدعم السريع المتمردة والتي شهدت علاوة على الهزائم المتكررة انشقاق بعض القيادات المؤثرة فضلا عن حالات العصيان للأوامر والتعليمات للقيادات الوسيطة والأدنى حيث تزايدت حالات الهروب من المعارك بالإضافة إلى ضمورحجم المستنفرين من القبائل والمجموعات السكانية التي تماهت مع المليشيا المتمردة في بدايات الحرب وحتى نهاية العام الثاني منها إلا أنها بدأت تعود لصوابها نتيجة سياسة( فرق تسد) التي انتهحتها مجموعة آل دقلو والمتنفذين من الماهرية مع قبائل السلامات والبني هلبة والحوازمة والمسيرية الفلاتة والهبانية بل حتى مع بطون قبيلة الرزيقات الاخرى خاصة خشم بيت المحاميد الذي على قيادته الشيخ موسى هلال الغريم التاريخي لقائد المليشيا المتمردة محمد حمدان دقلو (حميدتي) ويبدو أن مقترح مشروع القرار الامريكي هو الهدف من جلسة مجلس الأمن الدولي أول أمس وإلا كيف تجاهلت أمريكا البت في الاحاطة المخصصة بمعرفة الجوانب الإنسانية والتي الاخفاق فيها واضحا إذ ذكر المسئول الأممي المختص بالشئون الإنسانية توم فلينشر الذي اوضح بجلاء ان كارثة الجوع قد امسكت بتلابيب المشهد الإنساني إذ أن 19.5 مليون يعانون من انعدام الأمن الغذائي وأن 13 مليون من المواطنين السودانيين فقدوا مأواهم إذ أصبح 8.6 مليون وستمائة ألف نازحين داخل السودان بينما البقية اصبحوا لاجئنين في دول الجوار السوداني ودول جوار الجوار السوداني بالاضافة للمهاجر القريبة والبعيدة وقد كشف المسئول الأممي عن العجز في تمويل المساعدات الإنسانية إذ تم تقديم 41 فقط من اجمالي المساعدات التي ينبغي وصولها والبالغة جملتها 2.4مليار دولار وقد وضعت الأمم المتحدة محددات الحل للقضية الإنسانية في إكمال مبلغ المساعدات الإنسانية ومن ثم الضغط للوصول لهدنة إنسانية واتباع مسار سياسي يتمتع ببصمة وملكية سودانية

(4)

وقد وافقت كلا من فرنسا وبريطانيا مقترح مشروع القرار الامريكي الخاص بتوسيع نطاق القرار 1591 حيث نادت باريس ب (تاييد توسيع الحظر على كامل السودان) وأيدت لندن مقترح مشروع القرار الامريكي ودعم حظر السلاح في كل السودان ولكن يثور السؤال الذي يحتاج إلى اجابة واقعية.. هل من جدوى لتوسيع نطاق تطبيق قرارمجلس الأمن الدولي رقم 1591 ليشمل كل السودان ؟..وقبل الاجابة على السؤال لابد من طرح سؤال آخر لا يقل عنه أهمية وذي علاقة به وهو لماذا غضت واشنطن الطرف عن المساعدات التسليحية واللوجستية التي قدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة لمليشيا الدعم السريع المتمردة ولماذا سكتت سكوتا مخجلا عن مساءلة وكلاء ابوظبي في تقديم كل المساعدات المتمثلة عبر تمريرتلك المساعدات للمليشيا المتمردة وأعني بهم رؤساء دول اثيوبيا وكينيا وتشاد وافريقيا الوسطى وجنوب السودان وليبيا (الجنرال المتقاعد خليفة حفتر).. بل لماذا سكتت واشنطن عن مجموعات المرتزقة من دول الساحل الافريقي (عرب الشتات) ومجموعات المرتزقة العابرة للقارات التي جاءت بها الإمارات لدعم التمرد (كولمبيا مثلا) والذين ادخل ثبوت ضلوعهم في استقدامهم كمرتزقة في الحرب حكومتهم في حرج بالغ مما دعا سفيرة كولمبيا ميلينا دي جافيريا في أوائل ديسمبر 2024م بمصر لتقديم اعتذار رسمي للسودان عبر لقائها للسفير السوداني بالقاهرة عمادين عدوي وذلك بناءا على توجيهات رئاسية صدرت إليها من دولتها.

(5)

والإجابة على السؤال والسؤال المتفرع منه لا تحتاج لكثير شرح ولكن ينبغي على الادارة الامريكية والرئيس الأمريكي ترامب التذكر أن هشاشة الاوضاع الأمنية التي تسببت فيها المليشيا المتمردة لن تجعل السودان مستقرا إلا بانهاء حالة التمرد على الدولة بواسطة الجيش السوداني الذي مهمته الأساسية المحددة في الدستور هو الحفاظ على سيادة الدولة شأن كل جيوش العالم بما فيها الجيش الامريكي والذي تصدى داخل امريكيا وخارجها لحلات مشابهة وذلك لأن الابقاء على هذا الوضع وترك الحبل على الغارب لها لن يثمر إلا تدهور للأمن والسلم الدوليين وهذا ما يتنافى مع مثياق الأمم المتحدة.
وخلاصة القول إن قوة الحجج التي قدمها مندوب السودان الدائم في الأمم المتحدة السفير الحارث إدريس الحارث ستثمر خطوات ايجابية لمصلحة الأمن والسلم الدوليين لاسيما أن لروسيا والصين موقفا واضحا افصحا عنه في اجتماع مجلس الأمن أول أمس الإثنين حيث أشارت بكين لرفضها العقوبات وأكدت التمسك بسيادة السودان بينما رفضت موسكو توسيع العقوبات وحذرت من تداعيات مقترح مشروع القرار الامريكي القاضي بتوسيع نطاق تطبيق القرار 1591 وبذلك تكون قد ألمحت وبطريقة أن اللبيب بالإشارة يفهم إنها ربما استخدمت حق النقض (الفيتو)إذا ما سلكت واشنطن مسلك تمرير مقترح مشروع قرارها في قادم الأيام.