آخر الأخبار

التضخم يتراجع والأسعار ترتفع.. أين الحقيقة؟

تقرير- خليفة حسن بلة:
حين فتحت تقرير الجهاز المركزي للإحصاء لشهر سبتمبر 2026، توقعت أن تؤكد أرقامه ما يعيشه السودانيون من غلاء.. وقد كان، غير أنني تفاجأت بمفارقات- إن جاز الوصف- وهو ما يستوجب قراءات لاحقة دقيقة.. فالتقرير يوفر بيانات مهمة وموثوقة لصنّاع القرار والباحثين، ليس فقط لرصد حركة الأسعار، وإنما لفهم التفاوت بين مجموعات السلع والمناطق الجغرافية، ويساعدنا في الإعلام لطرح أسئلة عن أسباب الغلاء وآثاره في حياة الأسر السودانية ورواية قصص معاناة الناس.
مفارقات بالأرقام:
قلت ثمة مفارقات.. الأولى هو ان التضخم السنوي تراجع مقارنة بالعام الماضي، بينما تسارعت زيادة الأسعار خلال الشهر الأخير.. فقد ارتفع معدل التغير الشهري العام للأسعار من 3.32% في أغسطس إلى 7.50% في سبتمبر، فما الذي تقوله هذه الأرقام عن معاش الناس؟.. دعونا نتوقف عند أبرز ما تكشفه لنا:
من الوهلة الأولى نلاحظ تراجع التضخم السنوي العام من 83.47% في سبتمبر 2025 إلى 28.29% في سبتمبر 2026..هذا خبر مفرح.. غير أن الأكثر إثارة للانتباه أن التضخم السنوي العام ارتفع من 26.14% في أغسطس إلى 28.29% في سبتمبر، بزيادة قدرها 2.15 نقطة مئوية.. وفي الفترة نفسها ارتفع معدل التغير الشهري العام للأسعار من 3.32% إلى 7.50 %
هذه المقارنة لا تعني أن الأسعار قد انخفضت لكن معدل ارتفاعها السنوي أصبح أقل مما كان عليه قبل عام
كما سجل التضخم السنوي للسلع المستوردة ارتفاعاً من 52.46% إلى 70.70%، فيما قفز التضخم السنوي للأغذية والمشروبات من 20.68% إلى 36.81 %
هذه المؤشرات تكشف تسارعاً في ارتفاع الأسعار خلال سبتمبر، لكنها تحتاج تفسير أسباب هذا التسارع، وتحديد مقدار إسهام كل عامل اقتصادي فيه.


 الخبز في صدارة الغلاء:
إذا كانت عبارة (ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان) نقولها لنقلل حيز ما يشغله (أكل العيش) في حياتنا، ولنذكّر لنطمئن أنفسنا أن الحياة أوسع من احتياجات الطعام، غير أن أرقام التقرير تعيدنا إلى حقيقة يومية وهي أن الغذاء يشغل حيزاً كبيراً من إنفاق الأسرة، وأي ارتفاع حاد في أسعاره ينعكس على قدرتها في توفير احتياجاتها الأساسية.
يقول خبراء الجهاز المركزي للإحصاء أن الغذاء يمثل 52.89% من الوزن الإنفاقي لسلة المستهلك. وقد ارتفع معدل التغير الشهري لمجموعة الأغذية والمشروبات من 8.39% في أغسطس إلى 17.26% في سبتمبر، بينما ارتفع معدل التضخم السنوي لهذه المجموعة من 20.68% إلى 36.81 %
وتكشف التفاصيل أن مجموعة الخبز والحبوب سجلت ارتفاعاً شهرياً بلغ 29.38%، كما ارتفعت أسعار اللبن والجبن والبيض بنسبة 18.73%، والزيوت والدهون بنسبة 19.42 %
هذه الأرقام تضع الغذاء في قيادة قاطرة الغلاء، كما أنها تفتح أيضاً باباً لأسئلة تتجاوز رصد الزيادة إلى ما العوامل التي دفعت أسعار الحبوب إلى هذا المستوى؟ وما أثر تكاليف الإنتاج والنقل والإمداد في أسعار الغذاء؟ وهل أسهمت الظروف المناخية (الجفاف/ ظاهرة النينيو) في ارتفاع أسعار بعض المحاصيل؟
قد تكون هذه عوامل تستحق البحث، لكن التقرير لا يشتغل على أسباب الزيادات المسجلة.. ومن هنا تأتي الحاجة إلى بيانات إضافية ومقابلات مع المنتجين والتجار والجهات المختصة


الحضر والريف.. مفارقة أخرى:
تظهر المقارنة بين المناطق الحضرية والريفية تفاوتاً يستحق التوقف عنده. فقد بلغ التضخم السنوي العام 40.35% في الحضر مقابل 21.18% في الريف، كما سجل التضخم السنوي للأغذية والمشروبات 55.05% في الحضر و27.60% في الريف.
لكن الصورة تختلف عند النظر إلى التغير الشهري لأسعار الغذاء.. إذ سجل الريف ارتفاعاً بلغ 18.95% في سبتمبر، مقابل 14.70% في الحضر.. وفي المقابل، بلغ التغير الشهري العام للأسعار 8.50% في الحضر و6.72% في الريف.
تثير هذه الأرقام سؤالاً مهماً.. لماذا ارتفعت أسعار الغذاء في الريف خلال سبتمبر بمعدل أعلى من الحضر، رغم أن معدلات التضخم السنوي فيه أقل؟
قد يرتبط الأمر بتكاليف النقل والتوزيع، أو تفاوت الإمدادات، أو اختلاف الأسواق وأنماط الاستهلاك، لكن تحديد السبب يتطلب فحصاً يتجاوز المؤشرات الإجمالية.


الولايات..خريطة غير متجانسة للتضخم:
لا تتوزع معدلات التضخم بالتساوي بين الولايات.. فقد سجلت شمال كردفان أعلى معدل تضخم سنوي في سبتمبر، بلغ 65.41%، مقارنة بـ53.22% في أغسطس، أي بزيادة قدرها 12.19 نقطة مئوية. كما ارتفع التضخم السنوي في الخرطوم من 54.13% إلى 59.98%، وفي وسط دارفور من 9.63% إلى 19.58 %
هذه الفوارق تجعل قراءة التضخم على المستوى القومي وحده غير كافية لفهم الضغوط التي تواجه السكان في مختلف المناطق.. فالمعدل العام يختصر أوضاعاً محلية متباينة، وبالتاكيد تختلف أسباب ارتفاع الأسعار من ولاية إلى أخرى.. لكن الأرقام لا تجيب وحدها عن سؤال أسباب هذا التفاوت.. فهل يرتبط الأمر بتكاليف نقل السلع، أم بتراجع الإمدادات، أم بظروف الإنتاج، أم بعوامل أخرى؟ الإجابة تحتاج إلى مقارنة الأسعار وتكاليف وصول السلع إلى الأسواق، وفحص الأوضاع الاقتصادية لكل ولاية.
وثمة ملاحظة مهمة عند قراءة هذه البيانات حيث يوضح التقرير أن بيانات الأسعار جُمعت ميدانياً من 17 ولاية، بينما لم تُجمع بيانات أسعار وسط دارفور منذ بداية الحرب، وتُقدَّر أسعارها خلال الفترة الماضية.. وهذه المعلومة ينبغي أخذها في الاعتبار عند تفسير نتائج الولاية ومقارنتها بغيرها.


ماذا تعني الأرقام لمعاش الناس؟:
نعود إلى المفارقة التي بدأنا بها: انخفض التضخم السنوي العام من 83.47% في سبتمبر 2025 إلى 28.29% في سبتمبر 2026، لكن الأسعار ارتفعت خلال سبتمبر وحده بنسبة 7.50 %
لا تناقض بين الرقمين فكل منهما يقيس فترة مختلفة.. غير أن النتيجة التي تهم المواطن هي أن تراجع معدل التضخم السنوي لا يعني بالضرورة تحسن قدرته الشرائية، ما دامت الأسعار تواصل الارتفاع ولم تواكبها دخول الأسر.


وبعد.. تبرز أسئلة لا تجيب عنها مؤشرات التضخم بل تثيرها:
– كيف تغيرت تكلفة سلة الاحتياجات الأساسية للأسرة بين أغسطس وسبتمبر؟.
– وما السلع التي اضطرت الأسر إلى تقليل شرائها أو الاستغناء عنها؟.
– وهل تحركت الأجور والدخول بما يتناسب مع الزيادة في تكاليف المعيشة؟ بل وما هي النسبة التي يجب ان تأخذ في الاعتبار لزيادة الأجور؟.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب ربط بيانات الأسعار ببيانات الدخل والإنفاق، والاستماع إلى الأسر، ومقارنة تكلفة سلة بسلع أساسية عبر فترة محددة.. ولعل هذا ما سنعمل عليه في قراءات لاحقة.
خلاصة قراءتنا لتقرير الجهاز المركزي للإحصاء أن التضخم السنوي أقل بكثير من مستواه قبل عام، بينما تواصل الأسعار الارتفاع، والمشاهدات تقول أن دخل الأسرة يعجز عن مجاراة تكاليف المعيشة.. وهذا ما تؤكده حدة الناس في الإعلان عن تذمرهم وسخطهم والضيق بما يجدونه في الأسواق من ارتفاع أسعار والذي يضطرهم للعودة بسلة المشتريات وقد نقصت محتوياتها بنسبة تتناسب عكسيا ونسبة ارتفاع مؤشر الأسعار الشهري.