المحبوب عبد السلام …السياسي أم المفكر
- مفاصلة الإسلاميين ووفاة الترابي جعلت المحبوب يقاتل لوحده على صعيد السياسة والفكر
- تباعد خطوط الفكر والسياسة داخل الحركة الإسلامية دفع ثمنها المثقفون الإسلاميون
- لماذا انقلب أبناء الهامش على الحركة الإسلامية (داوود يحي بولاد, دكتور خليل ابراهيم, حسبو محمد عبدالرحمن)؟
تقرير دكتور – إبراهيم حسن ذوالنون:
لاشك أن الحوار المميز الذي أجراه الأستاذ صلاح عمر الشيخ مع الدكتور المحبوب عبد السلام المحبوب قد حرك الكثير من سواكن السياسة والفكر رغم ما بينهما من قطيعة تاريخية وحتى محاولات ردم الفجوة بينهما لم تثمر على النحو المطلوب, وقد دفع الدكتور المحبوب ثمن ذلك شأنه شأن عدد من المفكرين والأكاديميين والمثقفين الذين جاءوا بحزمة افكار إصلاحية إلى المؤسسات الحزبية والرسمية لكنهم في النهاية كانوا كمن (يؤذن في مالطا) والشواهد على ذلك كثيرة داخل الحركة الإسلامية نفسها أو خارجها(بروفسير الطيب زين العابدي -رحمة الله عليه- , بروفسير حسن مكي , دكتور عبدالوهاب الافندي) وحتى الدكتور غازي صلاح الدين العتباني والدكتور أمين حسن عمر سايرا أهل (ساس يسوس) داخل منظومة الحركة الإسلامية وقد أديا ادوارا مقدرة ومشهودة ثم بعدها لما تعارضت افكارهما مع ( الانتهازيين القدامي والجدد) خرجا, الأول أسس( حركة الإصلاح الآن) والتي لازمتها صعوبات التأسيس وعوائق الانتشار الأفقي, حيث بدأت واستمرت محدودة في حركتها وتاثيرها, والثاني نشط في حوارات وكتابات عبر الوسائط المختلفة مدافعا عن بعض مواقفه, ويبدو أنه يعكف في صياغة عدد من الأوراق البحثية في هذا الصدد ليكمل رؤيته حول ما عايش في فترة ثلاثين عاما.
محاولات تجسير الفجوة:
من خلال الحوار مع الأستاذ صلاح عمر الشيخ يلاحظ أن اجابات الدكتور المحبوب قد زاوجت بين المحبوب السياسي والمحبوب المفكر وذلك مرده لسببين لطبيعة الحوار ولطبيعة شخص المحاور(المحبوب), فالدكتور المحبوب عبدالسلام منذ دراسته للفلسفة بجامعة القاهرة فرع الخرطوم وعمله السياسي من خلال رئاسته لاتحاد الطلاب كان ميالا لهذه المزاوجة, فكان يتحدث في قضايا الفكر بالعمق المطلوب وفي نفس الوقت كان يتعاطى السياسة من المنظور الفلسفي وقد كان يحتفي من خلال كتاباته بالفكرالمفكريين وكنا نطالع كتابات الدكتور المحبوب في مجلة الجامعة وفي الصحف اليومية في ذلك الوقت, ولأول مرة نسمع عن المفكر الإسلامي مالك بن نبي ورجاء جارودي وطارق البشري وحتى منظري الشيعة وعلى رأسهم علي شريعتي من خلال جديث المحبوب وكتاباته.
كما قرأنا له في النصف الثاني من عقد الثمانينات في مجلة اليوم السابع (العربية الباريسية الاسبوعية ) في ذات السياقات وهي مجلة متفردة وتزاوج بين السياسة والفكر حيث قرانا حوار المشرق والمغرب بين الدكتور حسن حنفي والدكتور محمد عابد الجابري وحوارات النخبة المثقفة الفلسطينية (محمود درويش, وسميح القاسم).
وفي تقديري أن الدكتور المحبوب عبد السلام ومن خلال سنوات ما بعد تخرجه من الجامعة وكتاباته بالصحافة المحلية( الوان والراية) والاقليمية (مجلة العالم) والتي عمل مراسلا لها من الخرطوم ثم تخصصه في الدراسات الإسلامية ومشاركاته في العديد من الورش والسمنارات والمؤتمرات وكتاباته في عدد من المجلات والدوريات قد استطاع باقتدار ردم الهوة وتجسييرها بين السياسة والفكر, وقد مكنته دراسته للعلوم الإنسانية خاصة العلوم الفلسفية وعلم الاجتماع وقراءته المتعمقة في الفكر السياسي اﻻسلامي والتجارب الغربية وإقامته بفرنسا أن يكون أكثر أبناء جيله بالحركة الإسلامية السودانية انفتاحا على الغير وقبول الآخر, ولعل اكبر دليل على ذلك أن عهد إليه الدكتور الواثق كمير الأكاديمي المعروف بجامعة الخرطوم واحد مشاهير نقابة أساتذة جامعة الخرطوم والذي انتقل منها إلى الغابة (الحركة الشعبية) بقيادة جون قرنق في منتصف ثمانينات القرن الماضي, أن يكتب مقدمة لكتابه (رحلتي مع منصور خالد- الخروج من الذات لملاة الآخر – جون قرنق والبحث عن السلام والوحدة), حيث قال المحبوب في تقديمه لكتاب دكتور الواثق والذي شاركه أيضا الدكتور لام كول (غير الرحلة والقصة حمل هذا الكتاب تراثا مهما من الوثائق والخطب والمستندات وذكر بكثير من المؤتمرات والمحاضرات وأوراق العمل والندوات الصحفية فقد كان العمل الفكري والأدب السياسي هو الإضافة والإسهام الذي يعني به مؤلف الكتاب ويتصوب إليه جهد الدكتور منصور خالد ويمثل جوهر التكاليف والعون الذي قدماه لجملة الحركة السياسية السودانية للحركة الشعبية والدكتور جون قرنق على وجه الخصوص.
أبناء الهامش والتمرد:
تباعد خطوط الفكر والسياسة داخل الحركة الاسلامية دفع ثمنها المثقفون الإسلاميون, والذين من بينهم الدكتور المحبوب عبدالسلام كما ذكرت آنفا وقد أعطى إشارات واضحة لذلك في كتابه الشهير والذي أيضا كان مزاوجا بين السياسة والفكر(الحركة الإسلامية السودانية – دائرة الضوء خيوط الظلام- تاملات في العشرية الأولى لثورة الإنقاذ), ويتضح ذلك من الخلافات التي حدثت في السنة الأولى للانقاذ حيث تمت الإطاحة بمجموعة العميد عثمان أحمد حسن والعميد فيصل علي ابو صالح والعقيد طيار فيصل مدني مختار, وقد جاءت الإطاحة مسنودة لخلافات بين المكون المدني والمكون العسكري من جهة وبين خلافات داخل المكون العسكري نفسه (لمن الطاعة للنظام والانضباط العسكري ام للتنظيم والذي بدأت تنازعات (المدنيين والعسكريين ) في داخله وكانت البداية بالتضحية بالثلاثة(عثمان والفيصلين).
وتواصلت بعدها الأحداث عاصفة وانتهت لمفاضلة الإسلاميين الشهيرة في العام 1999م, (قرارات الرابع من رمضان) والتي انتهت بإبعاد الدكتور الترابي من مفاصل القيادة السياسية, حيث تم حل المجلس الوطني برغم افتقار المشروعية القانونية, ثم جاءت أول سابقة دستورية للمحكمة (إبراهيم يوسف هباني) وآخرون ضد رئيس الجمهورية حيث جاء حكم المحكمة مفصلا على مقاس إرضاء صناع قرار الحل.
ولكن ما يحتاج لتفسير أوضح من الدكتور المحبوب في قادم الأيام من دراسات لظاهرة خروج بعض أبناء الهامش من منظومة الحركة الإسلامية لتشكيلهم لفصائل متمردة على الدولة والحركة (المرحوم داوود يحيى بولاد والمرحوم خليل إبراهيم) وحسبو محمد عبدالرحمن والذين انحازوا لتمرد الدعم السريع, ولابد من الإجابة على السؤال, اين مكمن الخلل, هل في الفكرة المركزية للحركة التي لم تستوعب في أدبياتها الهامش ام للممارسة السياسية لم تلبي اشواق أبناء الهامش؟, مع الأخذ في الاعتبار نموذج المرحوم خليل الذي كان جزءً من السلطة وخرج منها, ونموذج حسبو الذي كان نائبا للرئيس ومساعدا للأمين العام للحركة الإسلامية نفسها.
سؤال من فصل الجنوب:

حاول الدكتور المحبوب الإجابة على سؤال من فصل جنوب السودان وحمل المسئولية لقوانين سبتمبر 1983م ولكنه لم يأت بالدليل على ذلك برغم أنه في كتابه بخط يده (فصول في حريق الجنوب السودان) لم يشر إلى أن قوانين سبتمبر ستكون سببا في فصل الجنوب لاحقا كما أن الجبهة الإسلامية القومية كان لها مسارا استراتيجيا لجنوب السودان من خلال وثيقة ميثاق السودان الذي أصدرته بعد تأسيسها واستطاعت أن تمرر من خلاله مشروع القانون الجنائي السوداني لسنة 1988م بالجمعية التاسيسية في مرحلة القراءة الأولى والثانية, وتم تمرير ذات الفكرة في مؤتمر الحوار الوطني حول قضايا السلام الذي ابتدرت به الإنقاذ مؤتمراتها 9 سبتمبر إلى 21 اكتوبر1989م, ثم جاء القانون الجنائي السوداني لسنة 1991م, والذي جاء بنفس مشروع قانون 1988م وبنفس توصيات المؤتمر, ليت الدكتور المحبوب يكون قد استمع للشاعر الوطني خالد عباس شقوري والفنان معاوية المقل أو الناصري محمد النصري في مرثية الفنان الجنوب سوداني الوحدوي حيث قال شقوري في المرثية:
ما ببكي سفرك والرحيل رغم الدموع راوياني ري
ما ببكي وجعك يا جميل يا كنت مالي الدني ضي
ما ببكي يبكي الزمن يبكي الماسك في أيديا الرسن
ببكي السمار والألفة والوجه الحسن
يبكي العناد القسم النيل والوطن