
من ينقذ فن السودان؟
شوف عين
*تقف درامتنا السودانية اليوم على رصيف النهايات المؤسفة، وكأن ما تبقى من عافية هذا الوطن لا يكفيها، لتخرج علينا في (عز) المأساة فصولا جديدة من الفوضى العارمة والعبث الممنهج.
*فمنذ متى كان التمثيل (مهنة من لا مهنة له)، وشركات انتاج تفتح أبوابها بلا استيحاء لمن هب ودب وتدار بمنطق المزاج الشخصي والقفز فوق المؤسسية؟.
*لقد جاء بيان اتحاد الدراميات السودانيات الأخير صرخة حق في وجه باطل العشوائية، محذرا بلهجة حاسمة من مغبة تسلل أسماء غير مؤهلة وغير مرخصة إلى الشاشة وخشبة المسرح، وذلك سعيا مشروعا لحماية ما تبقى من هيبة المهنة وتقنين ممارستها.
*ولكن للأسف الشديد، خرجت علينا مجموعة من شركات الإنتاج المحلية (نهارا جهارا) لتتحدى هذا البيان ، فاتحة أبواب القبول على مصراعيها لممثلات وممثلين جدد بلا سند أو دراية أكاديمية أو رخصة ممارسة، ضاربين بعرض الحائط كل الضوابط النقابية، وكأنهم في مزاد رخيص لبيع الهوية الفنية.
*صحيح أن بعض المنتجين يتشدقون بأن الظروف الاستثنائية للبلاد تفرض واقعا لا يحتمل التعقيد وبأن الأولوية لدوران عجلة الإنتاج، إلا أن التمرد على الأطر النقابية يفتح الباب واسعا أمام ابتذال الفن وتسطيح الوعي العام.
*ولكن الطامة الكبرى، والكارثة التي لا يمكن السكوت عنها أو تمريرها مرور الكرام، لا تنتهي عند حدود التخبط المحلي، بل تتجاوزها أضعافا مضاعفة لتصطدم بما هو أدهى وأخطر وأمر، ألا وهو الهجمة الشرسة لبعض شركات الإنتاج الأجنبية التي استوطنت الساحة مؤخرا تحت لافتات براقة.
*هذه الشركات المشبوهة لا تقتصر غاياتها على مجرد الإنتاج التجاري، بل تحمل أجندات خبيثة وممنهجة تهدف عمدا إلى تدمير القيم والأخلاق للمجتمع السوداني.
*أصبحت هذه الكيانات تنتج مسلسلات وأعمالا درامية مشوهة تتخذ من شعار (تناول المسكوت عنه) غطاء رخيصا لتمرير سمومها، حيث تروج لأفكار التحرر المصطنع، وتتعمد بصورة فجة ومقيتة تصوير المجتمع السوداني الأصيل، المحافظ والمتماسك، وكأنه غارق حتى أذنه في مستنقع من الفساد الأخلاقي والانحلال والإنحرافات وكأن المطلوب هو استكمال عملية تدمير الوجدان والإنسان في السودان بعد أن دمرت الحرب الحجر والبنيان.
*إن هذا التقاطع الخطير بين فوضى الإنتاج المحلي وغياب الوعي الرقابي من جهة، وبين السموم التي تبثها الشركات الأجنبية بأجنداتها الاستعمارية الثقافية من جهة أخرى، يضعنا أمام مفترق طرق مصيري
في ظل هذا المشهد القاتم، يبرز الغياب التام والمؤسف للسلطات الرسمية والجهات المختصة عن دورها الرقابي والعقابي الحقيقي،إذ تخلت الدولة عن مسؤوليتها في حماية الأمن الثقافي والقومي، وتركت الحبل على الغارب حتى أصبحت ساحة الفنون عموما والدراما خصوصا مرتعا خصبا لفاقدي الموهبة وأصحاب الأجندات الهدامة.
*إننا إذ ندق ناقوس الخطر بأعلى صوت، نؤكد أن الظروف الاستثنائية لا تبرر أبدا هذا السقوط الأخلاقي والمهني، ولا تمنح صكوك الغفران لمن يسعون لتمويل أو صناعة فن يستبيح القيم السودانية.
*وإذا لم تفق النقابات والجهات الرسمية من غفوتها لفرض آليات رادعة وقوانين صارمة، فلنقرأ على الفن والدراما السودانية السلام.