آخر الأخبار

السودان وإسرائيل

بعد .. و .. مسافة

مصطفى ابوالعزائم

 

*لازال كثير من متابعي الشأن السياسي السوداني يذكرون كلمات قالها الرئيس الراحل جعفر محمد نميري – رحمه الله – عندما بدأ أولى خطواته نحو المصالحة الوطنية ، وقد تذمر البعض، وإحتج آخرون من المتشددين الذين أرادوا الانفراد بالعمل السياسي، لكن الرئيس نميري قال كلمة مازال صداها يتردد في آذان معاصريه، فقد قال أنه مستعد للجلوس مع الشيطان نفسه من أجل مصلحة السودان والسودانيين.

*هذه المقدمة نطرحها بعد أن تكشفت حقيقة شكل العلاقات التي ترجوها إسرائيل مع السودان، و تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأخيرة حول علاقة إسرائيل بقوات الدعم السريع، ووصفها بأنها قوات صديقة، وهذا يؤكد على سعي إسرائيل القديم والمتجدد بقيام علاقات خاصة مع السودان.

*ولا أحسب أن أحداً في السودان كان قد علم بلقاء تم بين الرئيس السابق عمر البشير بالرئيس الإسرائيلي الأسبق (عزرا وايزمان) حال حدوثه في دولة جنوب أفريقيا في واحد من المؤتمرات، وهو لقاء عابر لم توثقه الكاميرات ولم تنقل الصحافة والوسائط الإعلامية تفاصيله لثلاثة أسباب، الأول أن البشير لم يكن يعرف من هو ذلك الرجل الذي تقدم نحوه مادّاً يده ومصافحاً وقائلاً له : ( أنا سعيد برؤيتك يا فخامة الرئيس) وقد بادله البشير التحية، والسبب الثاني هو أن أحد المرافقين لرئيس الجمهورية السّابق، وقف حاجزاً بين عدسة أحد المصورين وبين هذا المشهد الفريد وحجبه بظهره، وما أن أنصرف الرجل حتى تساءل الرئيس البشير، وفق رواية الأستاذ محجوب فضل بدري السّكرتير الصحفي للرئيس البشير وقتها في كتابه (عمر من كوبر إلى كوبر) وقال لمرافقيه (ده منو ده ؟ ) فقيل له: إنه الرئيس الإسرائيلي  عزرا وايزمان فإرتفع حاجب البشير بالدهشة وقال: بالله أنا من قبيل بقول ياربي الزول ده أنا شايفو وين ؟ أما السبب الثالث فهو إن أحداً من مرافقي البشير أو (وايزمان) لم يشر لهذه الواقعة قبل أن ينشرها الأستاذ محجوب فضل بدري.

*قطعاً هذا الحدث وقع إبان رئاسة عزرا وايزمان لإسرائيل التي إمتدت من 1993م إلى عام 2000م ، وقد توفي بعد ذلك بخمس سنوات والحدث لم يكن في تقديرنا صدفة ، فإسرائيل ظلت تسعى للتطبيع مع السودان منذ سنوات، وربما إعتقد قادتها إن التطبيع يبدأ (بنظرة فسلام فكلام) لكن سياسة التطبيع خلال حكم النظام السابق لم تجد إلا الأذن الصماء والعين العمياء، وقد أورد الأستاذ محجوب فضل بدري أسراراً خطيرة ومثيرة في كتابه ذاك، عن الضغوط التي تعرض لها النظام السابق من أجل التطبيع مع إسرائيل، وجاء بأمثلة ونماذج عديدة من بينها أن مسؤولاً أمريكياً رفيعاً قال للرئيس المعزول في لقاء جمع بينهما إن بلاده على إستعداد لإنهاء مشكلة دارفور مقابل التطبيع مع إسرائيل لكن الرئيس السابق رفض.

*وجاء بمثل آخر عندما قابل البشير وفداً من رجال الأعمال الأمركيين وعددهم ثلاثة، جلسوا لأكثر من ساعة وهم داخل بيت الضيافة، يحدثونه عن إمكانية إستجلاب كبريات الشركات العالمية العابرة للقارات لتستثمر في السودان، وكانوا خلال الحديث يلحون إلى التقدم العلمي والتقني في مجالات الزراعة والهندسة الزراعية والتصنيع الغذائي، ومعايير الجودة التي تتبعها الدول الأوربية وإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، وعندما خرج الثلاثة من إجتماعهم ذاك إعتمر كل واحد منهم القلنسوة اليهوديةع، والتقطوا صوراً لهم أمام بيت الضيافة بعد أن فشلت مهمتهم في إستدراج الرئيس السابق كما جاء في كتاب الأستاذ محجوب فضل بدري .. وهنالك أمثلة عديدة.

*الآن تغير النظام القديم وأصبحنا نستظل تحت ظل نظام جديد ، وقد تغيرت السياسات – خاصة الخارجية – فهل نتوقّع ضغوطاً دولية للتطبيع مع إسرائيل ، أو إعترافاً رسمياً بها خاصةً مع الضغوط الدولية والإقتصادية التي يتعرض لها السودان ؟ وما هو دور جامعة الدول العربية حول هذا الأمر؟ وهل لزيارة الأمين العام للجامعة العربية الحالية للخرطوم علاقة بهذا الموضوع ؟ السؤال ربما تجيب عليه الأيام القادمة، وربما قبل نهاية العام الحالي، خاصةً وإن المقابل في حالة الرفض أو عدم الإستجابة للضغوط الغربية و الأمريكية تحديدا ربما كان تفتيت البلاد و تقسيمها، لكن المتابع للشأن السوداني قد يرى في الزيارة المرتقبة لرئيس مجلس السيادة الإنتقالي والقائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان إلى روسيا فرصة لموازنة جديدة.