آخر الأخبار

ابن عمر لما هذا السفر البعيد ؟

موقف

د.حسن محمد صالح

 

*نعي الناعون  ابن عمر محمد احمد ولن اكن آخرهم انتظمت حلقات التأبين للراحل ولكن هل يؤبن من كان يؤبن الناس ويعرف قدر الرجال ؟

قل للسحاب الاربد هل غاب نجم السعد أو في صحيح العباسي : هل غاب غور السند ؟.

*ابن عمر واحد من المعجزات في حياة الشعب السوداني فقد كان الكثيرون ينظرون للسودانيين بأنه شعب مهيض الجناح ولكن ابن عمر يرى في السودان شعبا جبارا قادرا على النهوض وبلوغ الريادة والقيادة بالإسلام والدعوة والموعظة الحسنة.

*قاد ابن عمر ثورة اجتماعية للإصلاح من غير تكلف ومشى في الناس ببساطته وزهده في الدنيا وترويه حتى في السير والسفر

ما كان يعرف الشطط ولا العجلة وله حبل طويل من التمهل والتدبير و التدبر وهو دائما في أسرة ممتدة يساكن اصهاره ويزور اخوانه وللناس في بيته متسع ورحابة وحضور مدهش وكرم فياض، القدح الكبير، المائدة العامرة فهو صيدلي كبير يقدم لضيوفه العسل والتمر والشاي الاخضر والقهوة المنتقاة من اجمل انواع البن.

*ان غاب  ابن عمر عن المنزل يعود مع زواره كأنهم على موعد مع عودته وتفسير ذلك هو محبة الناس وكأن الكابلي قد عناه عندما قال:

حبك للناس خلاني احبك تاني

*ولد ابن عمر في بادية الكبابيش يتيم الأب فهو لم ير والده الفكي محمد احمد  كما يقول اهل السودان كان  والده شيخا عابدا سائحا وقد أوصى بعد ان ترك زوجته حبلى  بأن يسمى ابنه ابن عمر ويعطى مخلاته وكتبه وسيفه.

*درس ابن عمر في حمرة الوز التي كانت المدرسة الوسطى الوحيدة في بادية الكبابيش فقد درس بها المرحلة الابتدائية والوسطي ثم انتقل الى مدرسة محمد حسين الثانوية بأم درمان وزامل  في سنوات تعليمه كل من عبد الله الهرديمي وعلي محمد صالح (شقيقي) وعلي محمد بلول وغيرهم.

*تميز ابن عمر بين إقرانه بحب القراءة والاطلاع لم يكن فراشه وهو غالبا من جلد البعير إلا خزانة للكتب التي تحيط بالجسد الصغير وكان نبوغه  في الشعر والخطابة والفصاحة مبكرا قبل دخوله جامعة الخرطوم كلية الآداب التي زادته ألقا وجمالا وبادلها ودا بود وحبا بحب فقد كان ابن سرحتها الذي غني بها كما قال التجاني يوسف بشير في وصفه للمعهد العلمي وكان ابن عمر  أسد الجامعة وضرغام الحركة الإسلامية والاتجاه الاسلامي.

*كان شديد البأس على خصومه من اليسارين والعلمانيين لأنه كان يعلم خطرهم ومكرهم على الاسلام ولكنه كان لطيفا اجتماعيا ضحاكا وبساما واخا وزميلا للجميع وله قفشات مع الراحل الخاتم عدلان من الحزب الشيوعي السوداني.

*لم يكن ابن عمر قائدا طلابيا شان الآخرين تنحصر همومه في سور الجامعة ويسعد بتحلق الطلاب حوله والاستماع لكلماته ولكنه كان يضرب بعيدا في عمق النظام المايوي الذي عارضه بعنف ولم يكن يهدأ للمايويين بال إلا بعد ان يضعون الفتى ابن عمر وراء القضبان وعلى يديه الكلباش وامامه حرس شديد من عسكر النظام.

استمر الحال حتى المصالحة الوطنية عام ١٩٧٦م ليجد ابن عم فرصة للتخرج والخروج للحياة العامة.

*ساهم سفر ابن عمر من السودان وعمله بالصحافة بمجلة اريبيا في العاصمة البريطانية لندن  في إعداده وتكديره حتى إذا عاد لهموم السودان أخذ اول هم على عاتقه هو هم الريف والبادية والصحة والتعليم ولم يتعامل مع قضية الريف كما تعامل ادعياء محاربة التهميش الذين حملوا السلاح لتدمير  القليل من التنمية في الريف وقتل رجال الشرطة من الهجانة لينفرط الأمن ولكن ابن عمر تعامل مع الريف برؤية تجعل من إنسان الريف  انسانا مدركا لقضاياه وتحديات مجتمعه المحلي.

*انسانا  يتحمل المسئولية  ويقود التغيير متعاونا مع من حوله ومفجرا لطاقته جبل (بضم الجيم)  الراحل المقيم ابن عمر على حب الخلاء ووجد راحته في الاسفار عبر الفيافي  وكان دليلا سياحيا غير متوج .كنا معه في سفر إلى شمال كردفان  رفقة صديقه وكاتم اسراره علي ابراهيم خليفة الكباشي الملقب عندنا بشيخ النوراب ابو زينب . كان معنا  في تلك الرحلة عدد من الإخوة من الاردن الشقيق ( صار  لهم  فيما بعد دور في تعميق الصلات بين البلدين والدخول في صناعة الدواء بالسودان) ..ما إن تجاوزنا منطقة ابو ضلوع حتي تم نحر الإبل من قبل  اهلنا الهواوير والكبابيش وسط دهشة الضيوف كيف لإنسان ان يذبح  لضيوفه  جملا و لم تكن  له سابق معرفة معهم غير انهم حضروا في معية ابن عمر وبالتالي هم ضيوف السودان.

*هل كان ابن عمر النائب البرلماني بالجمعية التأسيسية يختلف عن ابن عمر الطالب والناشط في صفوف الحركة الإسلامية ؟ لم يكن هناك اختلاف في الشخصية وظل ابن عمر الثائر الممتلئ  بروح الشباب التي لازمته حتى رحيله .من المهم ان تعلم الاجيال الحالية ان فوز الجبهة الإسلامية القومية بدائرتين جغرافيتين في  سودري أو بالأحرى بادية الكبابيش هي من تدبير ابن عمر وقد كنت شاهدا على ذلك عندما قررت الجبهة الإسلامية القومية فصل منطقة سودري من شمال كردفان وان تدار بواسطة الامانة العامة والامين العام للجبهة الإسلامية الشيخ الدكتور حسن الترابي وقد رحبت قيادة الجبهة الإسلامية القومية بشمال كردفان بقرار الامين العام للجبهة الإسلامية القومية الذي كان يقف من ورائه الراحل ابن عمر بكل قوة وحنكة سياسية واهتمام بالمنطقة.

*سألت احد الإخوة من اهلنا الدواليب  والركابية ما هو سر قوة شخصية ابن عمر وشجاعته وفراسته قال لي : ان ابن عمر تربى مع اخواله الكبابيش والهواوير ونال من طباعهم الكثير ولكن ابن عم جده لابيه هو الخليفة محمد ابن ادريس المشهور بود دوليب صاحب المنظومة الشهيرة التي عرفت بمنظومة ود دوليب والتي  يبلغ عدد ابياتها ثلاثمائة بيت من الشعر وفيها اعلن رفضه لدعوة المهدي ووصف دعوة المهدي بأنها فتنة السودان ..فلا تنام أمد الازمان.

لأنها قد غيرت في الدين

بنسفها مصدرين في التخمين

والخير لا يصل إلى الاشرار

والشر قد يحيط بالاخيار

إلى ان يقول:

يبيح دماء المسلمين

ويأخذ اموالهم ظلما مبين

ودعا قائلا

وبيننا وبينه أي المهدي لا يجمع الإله وروي ان ود دوليب  توفي قبل ان يرى المهدي ولكن المنظومة جلبت على اسرة ود دوليب واتباعه اذى كثيرا وتنكيلا من قبل المهدية

ويضيف:

فجمعتنا دين الهدى يا اباه . مخاطبا ابنه

وقال:

ينغلب العسكر المصرية بقطرنا وتعظم البلية

وفي البيت ٣١ من المنظومة يقول

فيصفون الدين بالمهدية يقصد انصار المهدي

ويخرجون منه كالرمية

وأنهم قد جبلوا على البدع

وهؤلاء هم الأشرار

وبنص شرعنا الكفار

وتنبأ ود دوليب بغزو الإنجليز للسودان بقوله:

لم تكن لهم ايادي ..و الإنجليز يسطون في البلاد.

*سألت الخليفة ابن عمر مرة ما هو وجه الشرع في معارضة المهدية  والخروج عليها من قبل بعض العلماء والقبائل ؟ قال لي المهدية كانت خروجا وتمردا على الخلافة الإسلامية.

*أيها الاحباب ان الحرب بسنواتها العجاف وفصلها للناس زمانا ومكانا قد خففت من وقع رحيل ابن عمر على الكثيرين فقد فاضت روحه الطاهرة بأرض الكنانة- قاهرة المعز لدين الله- وبالقرب من سودة وآمنة الرملية ورابعة العدوية فلو كان مرقده بالبكري واحمد شرفي او حمد النيل او خرسي لبكاه الكثيرون رجالا بنوتا غزيرات ديس

ابكن عليك يا ابن عمر بالدمعة والتجريس

ولا تدري نفس بأي ارض تموت.

*ما لفت نظري في تأبين ابن عمر والذي تم في مواقع كثيرة من بينها المؤتمر الشعبي ومنبر دار الريح لم تكن تلك الجلسات بكائية ولا هي شقا للجيوب ولا لطما للخدود ولكنها كانت متداولة في الشأن العام وما كان يشغل ابن عمر في حياته وهو الدفاع عن السودان بالمال والسلاح والفكر وان ابن عمر كان يدرك المخاطر التي تحيط بالسودان وكان يعتقد ان عصمة السودان وحمايته في وحدة ابنائه ولم يكن ابن عمر داعما للقوات المسلحة بل كان مقاتلا في صفوفها عندما تبرع بسيارته للجيش وهو نائب برلماني وذهب بنفسه متطوعا في القتال لرد العدوان على الكرمك في العام ١٩٨٨م وما أشبه الليلة بالبارحة والعدوان يتكرر على الكرمك من ذات القوى الطامعة في السودان انطلاقا من اثيوبيا ودعم مالي وعسكري من الإمارات العربية المتحدة والكيان التابعة له.

رحم الله الخليفة ابن عمر

إنا لله وإنا اليه راجعون