آخر الأخبار

الحرب النفسية واستخداماتها في أوقات الحرب

د. ميمونة سعيد

 

 

تُعدّ الحرب النفسية أحد أخطر أشكال الحروب غير التقليدية، إذ تستهدف العقل والوجدان قبل أن تستهدف الجسد أو السلاح.

 

وهي تقوم على استخدام الأدوات الإعلامية والنفسية والاجتماعية لتقويض الروح المعنوية للخصم، وزرع الشك والخوف والانقسام بين صفوفه. وتختلف الحرب النفسية عن الحرب العسكرية في أن الأولى تُدار بالكلمة والصورة والإشاعة والتأثير النفسي، في حين تعتمد الثانية على القوة المادية. غير أن الأولى قد تكون أكثر فاعلية وأطول أثرًا، لأنها تستهدف البنية الذهنية للمجتمع ومناعته الداخلية.

 

تُستخدم الحرب النفسية في أوقات النزاعات والحروب لتوجيه الإدراك العام وصناعة القبول أو الرفض لسياسات معينة. فهي أداة تسعى إلى التحكم في السلوك الجمعي للأفراد من خلال بث رسائل مدروسة بعناية، تُبنى على معرفة دقيقة بالبنية الثقافية والاجتماعية والنفسية للشعوب المستهدفة.

 

 

ومن هنا، فإن من يشنّ حربًا نفسية لا يفعل ذلك عشوائيًا، بل يعتمد على دراسات ميدانية وسوسيولوجية ونفسية عميقة، تُظهر نقاط القوة والضعف في شخصية المواطن، وطرق استجابته للمؤثرات الإعلامية والخطابية. وبناءً على هذه الدراسات، يتم تصميم الخطاب الإعلامي بما يتوافق مع ميول المتلقي ويستغل مخاوفه واحتياجاته.

 

وتظهر خطورة الحرب النفسية في قدرتها على تحويل الثقة إلى شك، واليقين إلى تردد، والانتماء إلى حياد أو انقسام. فهي لا تستهدف العدو العسكري فقط، بل تمتد إلى المدنيين بهدف إضعاف إرادتهم ودفعهم إلى قبول الهزيمة قبل أن تقع فعليًا. وتُستخدم في ذلك أدوات متعددة، من أبرزها: الشائعات، والتضليل الإعلامي، والمقاطع المصوّرة المزيفة، والتسريبات الصوتية أو النصية، وحملات التشويه التي تمس الرموز الوطنية. وتزداد فاعلية هذه الأدوات في ظل انتشار وسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت من كل فرد ناقلًا محتملاً للمعلومة دون تحقق من مصدرها.

 

ومن هنا، تبرز ضرورة الوعي المجتمعي والإعلامي في مواجهة هذه الحرب. إذ يجب على الأفراد والمؤسسات أن يتحلّوا باليقظة والتمييز بين المعلومة الصحيحة والمضللة، وأن يدركوا أن العدو يعتمد في خططه على ردود الأفعال العاطفية لا العقلانية. كما أن من محاذير الحرب النفسية الانسياق وراء الانفعالات أو إعادة نشر الشائعات، لأن ذلك يعني المشاركة غير المباشرة في تنفيذ مخططات الخصم.

 

إن مقاومة الحرب النفسية لا تكون بالإنكار أو التجاهل، بل ببناء مناعة فكرية ونفسية داخل المجتمع، من خلال تعزيز الثقة بالقيادة الوطنية، ونشر الوعي الإعلامي، وتحصين الأفراد بالتربية الوطنية والقيم الأخلاقية الراسخة. فكلما زادت معرفة المواطن بطبيعة هذه الحرب وأساليبها، قلّ تأثيرها عليه، وازدادت قدرته على الصمود في وجهها.

 

إن الحرب النفسية اليوم لم تعد تُخاض في ساحات المعارك فقط، بل في العقول والقلوب. ومن هنا، فإن الانتصار فيها لا يتحقق بالقوة العسكرية وحدها، بل بالوعي الجمعي، وبقدرة الشعوب على التمييز بين الحقيقة والدعاية، وعلى الثقة بذاتها ومؤسساتها الوطنية في مواجهة أي محاولات لزعزعة استقرارها أو تشويه وعيها الجمعي.