آخر الأخبار

الصخرة المنسية

 

سيد صالح علوي – جيبوتي:

في إحدى الصباحات التي أعتدت عليها و كـ كل يوم حيث كانت النوارس ترسم في السماء دوائرها الواسعة وتُغرد بـ لحنها المعتاد، الأطفال يركضون على الرمل بأقدام حافية، البحارة يجهزون قواربهم، صوت المحركات يُعلن الإستعداد لرحلات الصيد، كنت جالساً ذلك الصباح على صخرة منسية عند حافة البحر، أراقب المشهد، أحاول الإمساك باللحظة حتى لا تهرب، أبحث عن معنى ما بين الصباح و النوارس وما بين البحر و الأطفال.

جاءني رجل أعرفه جيداً، رجل له في نفسي تقدير لا يُشترى، جلس بجانبي دون مقدمات، تبادلنا الكلام عن الأحوال و الحياة وعن الأيام التي تتكرر مثل الموج، ثم قال لي بنبرة لم أعتدها منه

ماذا تفعل هنا؟ ارحل من هذه البلدة ولا تعُد.. إن بقيت فيها سيكون مصيرك مثل هذه الصخرة التي تجلس عليها، ثابتة في مكانها، مهملة لا أحد يُعيرها أي إهتمام ثم وقف ومضى دون أن يسمع جوابي.

ترك في صدري دوامة ثقيلة من الأسئلة، لم يكن هو أول من يطلب مني الرحيل لكن كلماته كانت مختلفة لأن مقامه بالنسبة لي مختلف، هو شخصية أثق فيها و اعرف أنه يعي ما يقول

قلت في نفسي:

لماذا أراد لي المغادرة؟ ولماذا بدأ الأمر وكأنه قرار لا نصيحة؟

كانت البلدة قاسية على أمثالي من الشباب لا فرص فيها ولا يد تمتد لترفعهم، كأنها مكان يحفظ ذكريات الماضي لكنه لا يمنح أمثالي مستقبلاً، العيش فيها يشبه الوقوف على حافة مجهول مُظلم، أكثر المخاوف التي تُلازمني بأني قد ٱساق يوماً إلى جهة او مكان لا اعرف لغته ولا أهله ولا من أجل ماذا انا هُناك، قد يضعون في يدي سلاحاً وفي ظهري أمراً، ثم يلقون بي مثل غصن مقطوع من شجرة لا ظل لها.

كنت أعرف ذلك، لكني رغم كل ذلك أهوى البلدة، أعشق بحرها وشوارعها الضيقة وصوت الأذان عند المغيب، أحب دكان حارتي الذي اشتري منه بسكويت أبو ولد، أحب صراخنا انا و اصدقائي حين كنا نركض خلف كرة تهرب نحو البحر، أحب رائحة الخبز في الصباح و رائحة البُن وصوت الملاعق في الشاي على طاولات المقهى القديم، أحب الملعب الترابي ولمة الشباب فيه ورائحة (شباك)١ الصيادين حين تُسحب لتجف تحت الشمس، كانت الطرق شبه خالية، والبلدة تبدو وكأنها تغلق أبوابها في وجهي واحداً تلو الآخر، حتى وجوه الذين اعتدت على رؤيتهم بدت لي شاحبة. حملت حقيبتي ومضيت بخطوات ثقيلة مُنهكة، شعرت بأن كل خطوة تُنتزع من صدري أكثر مما تُنتزع من الأرض، الرحيل صعباً لا لأن الطريق طويل، بل لأن الذهاب كان يعني أن أخلع عن روحي جزءاً منها، وأمضي به جرحاً لا يُشفى بسهولة.

بينما أتهيأ للرحيل وأنا شارد الذهن، فإذا بصاعقة تهوي عليَّ: دعوة من جهة أمنية، لا تشرح للناس قراراتها، تلك اللحظة شعرت وكأن قلبي توقف، الحياة ضاقت بي من دون سبب. لم أكن مذنباً، وماذا يريدون مني الآن؟ قلتها بيأس وحزن كبيرين.

كان الخوف ثقيلاً في صدري، الطريق أمامي أصبح ضباباً، اتصلت بالشخص الوحيد الذي كنت أظن أنني أستطيع أن أستند إليه، أخبرته بالأمر، فـ صمت قليلاً ثم قال؛

ربما تأخرت كان يجب أن ترحل البارحة، و أغلق هاتفه

عندها ازداد الخوف بداخلي، شعرت بأن الأرض تهتز تحت قدمي، ذهبت إليهم وأنا أرتجف، يدي باردة، وجهي غرق بالعرق، دخلت إلى مكتبهم، استجوبوني، وأنا أتنفس ببطئ وكأن الهواء انعدم في اجوائنا، قال أحدهم ببرود ، انتظر في الخارج حتى نناديك

انتظرتُ طويلاً، والدقائق كانت مرت كالعقود.

ثم أتاني واحد منهم، لا ملامح له اليوم في ذاكرتي سوى صوته، وقال: تستطيع الذهاب الآن.

 

في تلك اللحظة فقط

عاد الهواء إلى رئتي، وعادت روحي إلى جسدي. عدت الى منزلي سريعا حملت ذاكرتي فقط، وذهبت الى تلك الصخرة نظرت إلى البحر آخر مرة والى قريتي مرة بألف مرة، وغادرتهما