آخر الأخبار

لا يمكنه إيقاف عقارب الزمن.. جرأة بوستيكوجلو تضع رونالدو أمام السؤال المكروه

من هيوستن إلى الدمام.. هل فقد "الدون" حصانته؟

لم يكن خروج كريستيانو رونالدو بين شوطي مواجهة النصر والاتفاق مجرد قرار فني عابر. في لحظة بدا فيها فريقه بحاجة إلى قلب المباراة، اختار المدير الفني أنجي بوستيكوجلو إخراج قائد النصر من الحسابات والدفع بعناصر أخرى بحثًا عن التوازن والعودة، في مشهد يعيد فتح سؤال ظل لسنوات أقرب إلى المحظور: هل بدأ الزمن يفرض منطقه على رونالدو؟
المشهد في الدمام أعاد إلى الأذهان ما حدث قبل أقل من شهرين في هيوستن، عندما خاض رونالدو مباراته الافتتاحية في كأس العالم 2026 أمام الكونغو الديمقراطية. لم يترك رونالدو بصمته المعتادة في تلك المباراة. أنهى اللقاء دون تسجيل، بعدما لمس الكرة نحو 20 مرة فقط وسدد ثلاث محاولات لم تهز الشباك.
كانت المشكلة أكبر من مباراة واحدة. فقد أشارت الإحصاءات في ذلك الوقت إلى أن رونالدو، منذ ركلة الجزاء التي سجلها أمام غانا في افتتاح مونديال قطر 2022، خاض 10 مباريات في البطولات الكبرى وسدد 33 مرة دون أن يسجل.

علامات الاستفهام تحاصر رونالدو

لم يكن الانتقاد خافتًا. النجم الفرنسي السابق تييري هنري، لخّص المشكلة بجملة قاسية خلال تحليله مباريات المونديال: “الفريق هو الذي يحتاج إلى التسجيل، وليس الفرد”، مستشهدًا بلحظة تراجع فيها رونالدو للخلف بدلا من الاندفاع لفتح مساحة لزميله، في وقت كان الفريق بأمس الحاجة للانطلاق نحو المرمى لا الابتعاد عنه.
الأكثر من ذلك جاء من داخل الملعب نفسه، حين سُئل لاعب وسط الكونغو نجالاييل موكاو إن كانت هناك خطة خاصة لمراقبة رونالدو، فأجاب بصراحة: “نعلم أنه لم يعد اللاعب الذي كان عليه، وأنه تقدم في السن، لكنه يبقى أحد أفضل اللاعبين في التاريخ”.
ورغم كل ذلك، لم يجرؤ روبرتو مارتينيز المدير الفني السابق للبرتغال على إخراجه من الملعب. بل دافع عن قراره بصراحة: “من غير المنطقي إخراج الهداف التاريخي في مباراة نحتاج فيها بشدة إلى التسجيل”، مضيفًا أن خبرة رونالدو في منطقة الجزاء “لا تعوض”.

الدمام: جرأة بوستيكوجلو

بعد شهرين تقريبًا، وفي سياق مختلف تمامًا – فريق يلعب بعشرة لاعبين ومتأخر 0-2 – اتخذ بوستيكوجلو القرار الذي تجنّبه مدرب منتخب البرتغال: إخراج رونالدو من المعادلة بالكامل، ودفعه إلى الاعتماد على الخيبري ثم الحمدان في محاولة استعادة التوازن. والنتيجة جاءت لتعزز القرار: ريمونتادا مكتملة بهدفين لساديو ماني وهدف للعمري، وفوز 3-2.
هنا يصبح السؤال مشروعًا نوعا ما: هل كان بوستيكوجلو فعلا أكثر جرأة من مارتينيز، أم أن الظرفين مختلفان جوهريًا بحيث لا يصح القياس؟ في هيوستن، كانت البرتغال بحاجة لهدف والحل الوحيد المطروح كان الرهان على تاريخ رونالدو التهديفي.
في الدمام، كان النصر بحاجة لتوازن عددي أولا، وهو ما لا علاقة مباشرة له بقدرة رونالدو التهديفية بقدر ما يتعلق بموقعه على الملعب كلاعب لا يشارك في مراحل الضغط والارتداد.
لكن حتى مع هذا التفسير، تبقى الإشارة قائمًة: هذه أول مرة هذا الموسم تحديدًا يقرر فيها مدرب – في لحظة أزمة حقيقية – أن الطريق إلى العودة في المباراة لا يمر عبر رونالدو، بل من دونه تماما.

أرقام لافتة.. قرار سيفتح باب النقاش

لم يقدم رونالدو في الشوط الأول ما يكفي لتغيير قرار بوستيكوجلو، إذ اكتفى بتسديدتين فقط، إحداهما على المرمى، وبلغت قيمة الأهداف المتوقعة لمحاولاته 0.05 فقط، وفقا لإحصاءات سوفاسكور.
والأكثر دلالة كان حضوره المحدود في بناء اللعب، بعدما لمس الكرة 7 مرات فقط، وأكمل 3 تمريرات من أصل 5، من بينها تمريرة واحدة إلى الثلث الهجومي، دون صناعة أي فرصة لزملائه أو تسجيل تمريرة مفتاحية. ومع تأخر النصر بهدفين ولعبه منقوصًا منذ الدقيقة 12، كانت الحاجة أكبر إلى لاعب قادر على التأثير المستمر في المباراة، وهو ما لم يظهره رونالدو خلال الـ45 دقيقة الأولى.
لذلك، بدا قرار بوستيكوجلو بإخراجه مع بداية الشوط الثاني منطقيًا من منظور الأرقام، حتى وإن كانت النتيجة النهائية للقرار ستبقى موضع نقاش بعد أن نجح النصر لاحقًا في قلب المباراة.

هل اقترب الفصل الأخير؟.. إجابة غير محسومة

رونالدو في الحادية والأربعين، ويعاني بشدة في بيئة النصر العشوائية، وبعد أداء لم يكن على مستوى التوقعات في كأس العالم، يبدو أنه يقترب من مرحلة لا يمكن فيها تجاهل عامل الزمن.
لكن القول إن النهاية بدأت بالفعل سيكون سابقًا لأوانه. لا تكفي مباراة واحدة، ولا قرار تبديل واحد، للحكم على لاعب بنى مسيرته على تحدي التوقعات. كما أن قدرة رونالدو على التسجيل وصناعة الفارق لا يمكن اختزالها في لحظة عابرة.
لكن شيئًا واحدًا تغير: السؤال نفسه لم يعد مستبعدًا. لسنوات طويلة، كان الحديث عن استبعاد رونالدو أو إخراجه من المباراة يبدو وكأنه انتقاص من مكانته. اليوم، أصبح من الطبيعي أن يناقش المدربون قرارات تتعلق بدوره وتأثيره، وأن تُطرح علامات استفهام حول قدرته على تقديم المستوى نفسه الذي اعتاد العالم رؤيته منه.
عقارب الزمن لا تتوقف، حتى أمام أعظم النجوم. ورونالدو، مهما طال عمره داخل الملاعب، لا يستطيع إيقافها.
والسؤال الأكثر دقة الآن ليس ما إذا كان قد وصل إلى النهاية، بل متى تبدأ كرة القدم في إجباره على قبول حقيقة أن النسخة التي عرفها العالم منه لم تعد كما كانت؟