آخر الأخبار

الفاشر… قلعة الصمود وشموخ الوطن

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

جامعة كرري

 

 

قال تعالى: “مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا” صدق الله العظيم.

وقال تعالى: “لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ” صدق الله العظيم.

 

في زمنٍ تتكاثر فيه المحن وتُختبر فيه المعادن، تبرز الفاشر شامخةً في وجه العواصف، قلعةً المجد والكرامة، وسطرًا خالدًا في كتاب التضحية والصمود. لقد علمتنا هذه المدينة الأبية أن الوطن لا يُقاس بمساحاته، بل بثبات رجاله وصدق نسائه وإيمان أبنائه بعدالة قضيتهم.
على مدى أكثر من عامين، ظلت الفاشر عصيةً على الانكسار، شامخةً رغم الجراح، تواجه عدواً غاشماً مدعوماً بأطرافٍ لا تعرف للوطن معنى ولا تقدّر للإنسان كرامة. ومع كل طلقةٍ ومع كل دمعةٍ ومع كل شهيد، كانت الفاشر تُجدّد عهدها مع الله والوطن بأن لا تنحني.
استُشهد اليوم نفرٌ كريم من خيرة أبناء وبنات السودان — قادةٌ وجنودٌ ونساءٌ شريفاتٌ وأطفالٌ أبرياء — مضوا على العهد، رابطوا وصبروا، فما وهنوا وما ضعفوا. كتبوا بدمائهم ملحمةً من أنبل الملاحم، فكانوا أبطالاً في ميادين القتال، ورموزاً في سجل الخلود.
لقد جسّدوا معنى الصبر والثبات الذي تعلمناه من رسول الله ﷺ في أشد لحظات المحنة، يوم كانت الهزيمة تتحول بين يديه إلى نصر، والذل إلى فخر، والانكسار إلى عزيمةٍ لا تُقهر.
ولئن كانت الفاشر اليوم تنزف، فإنها تنزف كبرياءً لا انكساراً، وعزّةً لا استسلاماً. كل حجرٍ فيها يشهد أن الحرية لا تُوهب، بل تُنتزع بدماء الأبطال. وكل شهيدٍ سقط على ترابها روى الأرض بدمٍ طاهرٍ سيُثمر نصراً وكرامةً بإذن الله.
إن تضحيات الشهداء لن تذهب سدى، فهم خالدون ما دامت السماوات والأرض. سيُدرَّس صمودهم كما دُرّست المعارك التي خطّها أبطال السودان من قبل، فهؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه تركوا لنا دروساً في التضحية والوفاء والوطنية الصادقة.
وإننا إذ نودعهم اليوم بالدمع والفخر، نجدد العهد بأن نحفظ الأمانة التي استُودعنا إياها، وأن نكون على دربهم سائرين، لا نبدل تبديلاً.
والقيادة العسكرية، وهي على خط النار، ما زالت تمضي على العهد والوعد، مؤمنةً بأن الحرب كرٌّ وفرٌّ، وأن الأيام دول، والنصر حليف الصابرين. لم تُثنِها الخسائر، ولم تُربكها المؤامرات، بل زادها ذلك ثباتاً وإصراراً على دحر العدوان وتطهير الوطن شبراً شبراً من دنس الغزاة ومن باعوا أنفسهم للشيطان. لقد تعاهد القادة والجنود أن لا يُؤخذ السودان غدراً، ولا يُكسر جيشه ما دام في عروقهم نبضٌ وفي قلوبهم إيمانٌ بالله والوطن.
وليعلم كل من اعتدى أن إنسان السودان لا ينسى، ولا يغفر لمن أراق دمه أو شرّد أبناءه أو انتهك حرمته. سيبقى هذا الشعب العظيم شاهداً على من صبر وثبت، وعلى من خان وتخاذل. فالسوداني الأصيل يداوي جراحه بالصبر، لكنه لا ينسى من طعنه في ظهره، ولا من أراد لوطنه الهوان. ستظل الذاكرة الوطنية تسجل كل لحظة، وكل دمعة، وكل موقف، حتى يأتي اليوم الذي يُحاسَب فيه الظالم ويُكرَّم فيه الشهيد.
المجد للشهداء، والنصر للوطن، والخزي والخذلان لكل من خان أو باع أو تآمر.
ولتظل الفاشر كما كانت دوماً: رمز الصمود، ومجد السودان الخالد

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب/ جامعة كرري

رئيس هيئة تحرير مجلة السودان العلمية/ مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية

رئيس هيئة تحرير المجلة السودانية للتوفيق والتحكيم/ المركز السوداني للتوفيق والتحكيم

نائب رئيس تحرير مجلة الدراسات الاستراتيجية/ الأكاديمية العسكرية العليا