
كيف نحمي مشاعر أطفالنا في مهبّ النزوح والشتات؟
دكتورة سهام موسى
*تمرّ الأسر في ظروف النزوح القسري وهجرات الشتات باختبارات قاسية تمتحن صلابتها النفسية والاجتماعية، وحين تُلقي ظلال الحرب ووعورتها على تفاصيل الحياة اليومية، لا تقتصر المعاناة على الكبار وحدهم، بل تتسرب بهدوء ثقيل إلى أعماق الصغار.. فالأطفال، رغم براءة ملامحهم وقدرتهم الظاهرة على التأقلم، يعيشون صدمات غير منظورة، مكتظة بالأسئلة المؤلمة وتغيرات البيئة المفاجئة، وفقدان الاستقرار والأمان المكاني.. وهنا يبرز التحدي الأكبر أمام الآباء والأمهات: كيف يمكننا مساعدة أطفالنا على التعبير عما يعتلج في صدورهم من مشاعر خوف، وقلق، وحنين، وغضب، دون أن يلفّهم الصمت المطبق، أو يغتال الخجل والرهبة أصواتهم؟.
*إن الاستجابة لهذه التحديات لا تبدأ بالضغط أو الإلحاح لانتزاع الكلمات، بل بتأسيس واحة دافئة من الأمان العاطفي والنفسي، تتسع لدموعهم وكلماتهم المبعثرة على حد سواء.. قبل أن نتلمس دروب العلاج والدعم، يتحتم علينا إدراك الدوافع الكامنة خلف جدران الصمت التي يبنيها الأطفال حول أنفسهم.. فالطفل بطبيعته كائن شفيف، ينبض بالحياة والتعبير، غير أن خبرات القسوة والتحولات الحياتية المفاجئة تزرع في نفسه مخاوف حقيقية، أبرزها: التعرض السابق للسخرية أو التقليل من الشأن، فعندما يُقابل خوف الطفل أو حزنه في مرحلة سابقة بكلمات استهزاء أو تهوين من قِبَل المحيطين، يتولد لديه إحساس عميق بأن مشاعره غير مهمة أو (محل سخرية)، فيلجأ إلى كبتها حماية لكرامته الصغيرة، بالإضافة إلى الخوف من العقاب أو الرفض، ويخشى الكثير من الأطفال أن يُقابل غضبهم أو تمردهم المؤقت بالعقاب البدني أو اللفظي، يفضلون ابتلاع غصاتهم وارتداء أقنعة الهدوء المصطنع خوفًا من غضب الكبار أو فقدان حبهم.
*بجانب فقر الحصيلة اللغوية للمشاعر، فيعجز الطفل أحيانًا عن تشخيص ما يشعر به؛ فهو يدرك أن شيئًا مزعجًا يجتاح جوفه، لكنه لا يملك الكلمات الدقيقة ليقول (أنا أشعر بالتوتر) أو (أنا محبط)، ويتجسد هذا العجز في صورة نوبات بكاء حاد أو صمت طويل، ويراقب الصغار آباءهم وأمهاتهم بدقة مذهلة.. وعندما يرون البالغين يكبتون أحزانهم ومخاوفهم تحملاً للمسؤولية أو خشية إظهار الضعف، يقتدون بهم تلقائيًا، ظنًّا أن كتمان الألم هو دليل القوة والنضج.
*عندما تتراكم هذه العوامل، يترسخ لدى الطفل شعور داخلي بأن عالمه العاطفي غير مرحّب به، فيغلق أبواب قلبه و ينكفئ على ذاته.. إن مرافقة الطفل في رحلة استكشاف مشاعره والتعبير عنها بحرية تتطلب منهجية تربوية واعية، تتسم بالصبر، والقبول، والعمق الإنساني، وتتجلى في محاور ومنها: بناء الأمان العاطفي المطلق، وهو التربة الخصبة التي تنبت فيها الثقة بالنفس.. يحتاج الطفل إلى أن يوقن تمام اليقين بأن مشاعره مقبولة ومشروعة مهما كانت نوعيتها. وحين يجهش بالبكاء أو يغضب بلا سبب ظاهر، علينا تجنب العبارات الجاهزة التي تقمع شعوره مثل: (لا تبكِ مثل اختك) أو هذا أمر تافه لا يستحق.. وفي المقابل، تكمن الحكمة في منح الشرعية لمشاعره عبر لغة دافئة ومحتوية: أرى أنك حزين اليوم، أو يبدو أن الأمر كان قاسيًا عليك.. هذه الرسائل البسيطة تؤكد للطفل أن صوته مسموع، ومشاعره محترمة ومقدرة.
*وتاتي هندسة المفردات العاطفية وإكسابها للطفل، حيث لا يُولد الطفل عالمًا بأسمـاء أحاسيسه، بل يتعلمها تدريجيًا من خلال مرشده الأول (الأب والأم).. امنح طفلك حصيلة لغوية غنية تعبر عن دخيلته عبر مصطلحات واضحة: (حزين، غاضب، قلق، متحمس، خائف، مشتاق). ويمكن توظيف القصص المصورة، أو الحكايات الشعبية، أو حتى مواقف الحياة اليومية لتقريب هذه المفاهيم، كأن نسأله بلطف: هل شعورك الآن أقرب للحزن لأننا فارقنا المكان الفلاني، أم هو غضب مما حدث؟.. فحين يمتلك الطفل مفردات مشاعره، يتحول الغموض الداخلي إلى لغة واضحة ومقدورة.
*واستخدام القدوة الحيّة في الإفصاح العاطفي، فالأطفال يتعلمون بالحواس والملاحظة لا بالمواعظ والخطب المباشرة.. عندما يروننا نعبر عن مشاعرنا الإنسانية باعتدال وهدوء، يدركون أن التعبير عن التعب أو الضيق ليس عيبًا ولا ضعفًا. قولي لطفلك بصدق وعفوية: (أنا متعبة اليوم وأحتاج لبعض الراحة لهدوء أعصابي)، أو (شعرت بالضيق عندما تأخرنا في إنجاز الأمر الفلاني).. بهذا السلوك الواقعي، نقدّم نموذجًا حيًّا للإفصاح السليم دون فرض أو أوامر سلطوية.