آخر الأخبار

فرسان كنجرت..مقاربة في ضوء دراسات التابع التاريخي 1_2

 

أبو طالب محمد

إشراف: بروفيسور سيد حامد حريز

 

مقدمة منهجية:

 

يعود ظهور جماعة دراسات التابع إلى ثمانينيات القرن الماضي، وهم نخبة من المؤرخين الهنود الذين قلبوا مدونة تاريخ الهند الرسمي المكتوب من قبل المؤرخين المتأثرين بالسياسات الاستعمارية البريطانية، واقترحوا إعادة كتابته في ضوء مفاهيم مغايرة متصلة بالتاريخ الشفوي المنسيّ الذي استبعدته النخب الاستعمارية، فتاريخ الهند الحقيقي هو مزيج ذلك التفاعل بين الأقليات المضطهدة في القرى والأرياف، ومجموع تلك الحكايات والمتخيلات السردية للطبقات الفقيرة والمعدومة، وصوت الأنوثة الخافت في مقابل صوت الذكورة الطاغي، وكل تلك الفئات التي لم تنتج تاريخاً مكتوباً، أما التاريخ المدون فهو في مجمله نخبوي وزائف لا يصور بلاداً غنية بحجم الهند، في كل ما يتصل بأعراقها وعاداتها وتنوع ثقافاتها وأفكارها.

 

تسترجع أصول مصطلح التاريخ Subaltern إلى أول استخدام في القرن السادس عشر، فقد كان التابع يومها رتبة تعني العريف في الجيش البريطاني دون رتبة الضباط، وهو من يتبع الأوامر وفق سلم التراتبية العسكرية ثم استخدمه بعد ذلك (أنطونيو جرامشي) في كتاباته السياسية للإشارة إلى الفئات الأقل مكانة في مجتمعاتها، سواءً كانت فئة إثنية أو دينية أو عرقية ليستقر بعدها مصطلح التابع على الفرد الذي يعبث ضمن مجموعة مهمشة غير قادرة على التعبير عن حاجاتها ورؤيتها ولا حتى كتابة تاريخها الخاص.

 

تحيل عبارة التاريخ من أسفل إلى عملية انتقالية في تاريخ التاريخ، وذلك بتحويل الاهتمام من الأعلى إلى الدهليز، أي من تاريخ الحكام والقادة والطبقة الحاكمة إلى الفئات العامة في تأسيس لمنظور آخر ينطلق من قاعدة المجتمع لكتابة تاريخ أكثر شمولية، إنه التاريخ المنظور إليه من أسفل أو التاريخ القاعدي أو تاريخ الأصول Grassrootshistory أو تاريخ عامة الناس. ورغم أن هذا المنظور في الكتابة التاريخية انتشر بشكل لافت في انجلترا، فإنه لا يمكن فصله عن مجمل التطورات التي عرفتها الكتابة التاريخية منذ القرن التاسع عشر، وبخاصة النظرية الماركسية والاشتراكية بشكل عام، ثم التطورات التي قدمتها مدرسة الحوليات الفرنسية بتوسيعها لمجال التاريخ الاجتماعي.

 

يُساعد التاريخ من أسفل على إقناع أولئك الذين وُلدُوا بدون ملعقة ذهبية في أفواهم، بأن لهم ماض مثلهم مثل الآخرين وبأنهم أسهموا بدورهم في صناعة الأحداث، وعليه فهم يستحقون أبحاثاً تضيء جزءً من تاريخهم حتى لا يظل قابعاً في الظلام، إنهم يحاولون إعطاء معنى للحياة التي تحيط بهم.

 

يغوص منهج التراث الشفاهي في باطن المجتمعات لإعادة بناء تجربة الناس العاديين والطبقات العليا وفهمهم في الماضي في سياق تجربتهم الخاصة. فالرواية الشفاهيه عبارة عن ثورة تميزت بمشاركة فعالة الفئات عريضة من المجتمع وأبرزت دورهم في سير التاريخ وفي المساحة أدناه نستعرض كتاب فرسان كنجرت باعتباره مسودة اهتمت بالتاريخ الاجتماعي باستنادها إلى روايات شفاهية أعادت كتابة التاريخ من أسفل في ضوء دراسات التابع التاريخي.

 

محتويات الكتاب:-

 

فرسان كنجرت- ديوان نصب الكبابيش وعقالاتهم في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر تألف د. عبد الله على إبراهيم صادر عن مطبعة جامعة الخرطوم في العام 1999م، وهو من حجم القطع المتوسط وتبلغ صفحاته مائتان وواحد وخمسون صفحة مهر الكاتب كتابه بإهداء لأشخاص يمتن لهم ثم عرفاناً تضمن عدداً في الأشخاص وقفوا جنباً على جنب مع المؤلف في العمل الميدائي والتنقلات وثم الممولين.

 

قسم الكتاب إلى بابين:

 

الباب الأول: عقالات نوراب الكبابيش وشمل أربعة فصول هي:

نسب النوراب ، فرسان كنجرت، النوراب والتركية، النوراب والمهدية، خاتمة، هوامش.

 

الباب الثاني: ديوان النوراب، عن منهجية تحقيق الديوان، ملاحق، شجرة النسب النوراب، الباعج والفريخ و الجفون، عقال الحنيك، نصان من كردفان، خريطة للمنطقة، ثبت المصادر والمراجع.

 

تبنى الكاتب في توثيقه منهجية الروايات الشفاهية في كتابة التاريخ الاجتماعي بمحمولاته المعرفية المختلفة، كما استعان بمصادر تاريخية عِدَّة أرخت لقبيلة الكبابيش وافتتح الكتاب بمقدمة تعريفية عن دار الكبابيش ووصفها جغرافياً حين قال:(تقع دار الكبابيش في شمال كردفان وتتداخل في الصحراء شمالاً، ويحدها وادي المقدم شرقاً، وحدود كردفان ودارفور غرباً، وجنوباً تمتد بالقرب من شمال أم بادر بين جبلي الصنيقير وأبو فارس إلى كاجا/ سودري إلى كتول وإلى شمال شرشار وكجمر إلى شمال أم سيالا وفضلية إلى الشقيق القريبة من النيل. وبتعبير أدق تقع دار الكبابيش بين خطي عرض 8/ 14درجة و36/ 16 درجة وخطي طول 27درجة و32 درجة وحدودها الإدارية الغربية بين كردفان ودارفور وهو من باب التجاوز لأن الحد بالفعل يسعى ب(الفاصل) الذي يقع إلى الغرب من ذلك الحد الإداري وبينهما منطقة محايدة متاحة لقبائل دار الكبابيش وقبائل درفور، وهي منطقة شائكة التفاصيل لمراعاتها التحركات الموسمية للري مع مراعاة الحقوق الثابته لبدو دارفور وجعلت للتفاصيل نقاط مراقبة في أم هجيليجة والنصوب وأم هجيليج في الجنوب وقد نظمت حدود الفاصل وأعرافه اتفاقية المالحة(1942م)وملاحقها في الكتاب 1946 و 1964م.

 

الجماعات العرقية:

 

تقطن دار الكبابيش عدة جماعات عرقية وهي:

الكيان القرايبي.

التاريخي النوراب.

الكبابيش.

القبائل التبع.

 

النوراب: تتكون من مجموعات قرايبية من أولاد فضل الله ود سالم، وأولاد قريش، وأولاد عوض السيد، وأولاد فحل، وأولاد الكير، ودار الكير، ودار أم بخيت، ودار سعيد، وأبو شاية وتفاصيل أخرى توضح هذه المجموعات أن النوراب هم مجموعة تاريخية أوسع تكويناً وهو كيان اجتماعي يضم (الربيقات، الحواراب، الكبيشاب)، و النوراب وحدة إدارية تنظم فيها الأعراق، فتلجأ إليها الجماعات لحل المشاكل الضريبية.

 

الكبابيش هم نواة قرايبية وكيان تاريخي مكون من بطون شرائح أو أفراد لقبائل تعرف الآن بالفروع بقيادة النوراب منذ أوائل القرن الثامن عشر لهم نظار وإدارات.

 

القبائل التبع: مثل الكواهلة والهواوير ود دويح وبني جرار والنوبة، كاجا، كتول، نوبة أبو حرير، نوبة أم درق، وزغاوة وهي ما تبقى من هذه المؤسسة التي اكتملت على عهد الشيخ فضل الله ود سالم وشملت حتى اللحويين والقريات والهوارة والبطاحين والمغاربة والشنابلة وهي التي خرجت على الكبابيش، ومن ثم التبع في أوائل القرن التاسع عشر.

ساهمت منعطفات بعينها في العلاقات القبلية في دار الكبابيش في إيضاح معنى التبع.

 

1/ إعادة ترتيب الإدارة الأهلية في العام 1953م في شمال كردفان على ضوء قانون سلطات المشايخ 1928م في إطار سياسة دمج الوحدات القبلية الصغرى في الكبرى، ضم الكواهلة على الإقرار بحق محكمة ناظر عموم الكبابيش وهي عملية دمج تمت إبان فترة المهدية وتمت إعادة دمجها نسبةً إلى واقع طبيعي وسياسي ينظر لعملية الدمج من باب المنافع الاقتصادية.

 

2/ دمجت مجموعة الهواوير بناءً على حكم المحكمة التي نص قرارها على حق القبيلة التابعة للرعي والسقي في دار القبيلة المضيفة على أن يدفع كل فرد من التبع شاه في كل عام مقابل سقياه لسعيته ومسموح للقبيلة التابعة الزراعة في الدار مقابل دفع الشراية لشيخ القبيلة صاحب الدار.

 

لعبت سلطة المشايخ بحسبانها قانون عرفي في توطيد صلات القبائل التبع بدار الكبابيش باعتبارهم يحتلون مساحات جغرافية واسعة وتتداخل مع القبائل الرحل، سنت لهم سلطة المشايخ امتيازات تجعلهم يتمتعون بإمكانيات دار القبيلة الأصل. ويضم النظام القانوني العرفي للكبابيش أربع محاكم فرعية وهي :

محكمة دكة النوراب.

محكمة جبرة الشيخ.

محكمة أم أندرابة.

محكمة الصافية.

وهي محاكم فرعية تنظم حياتهم وتخفف من عبء الناظر متابعة هذه الجماعات.

يؤكل على ضوء هذا التداخل الاجتماعي حياة الكبابيش المترحلة إلى مناطق جغرافية أخرى طلباً لامتيازات حياة مختلفة في مواسم بعينها وتقسم مراحيلهم إلى ثلاث مراحيل:-

1/ الشوقارة: في شهر مايو يتجه الرعاة إلى الجنوب الغربي نحو غرب كردفان وجنوب دارفور ففي هذا الوقت تهطل الأمطار بتلك الجهات تتأخر شهر يوليو وأوائل أغسطس المقصود من هذه الرحلة أن تريح العائلة من سقي الإبل والضأن من الأبار وأن تخفف الضغط على المرعى (الدمر) وهو موضع استقرار بيت الكبابيش في أخريات الشتاء وطول الصيف.

2/ النشوغ: وهو لقاء الرعاة في الخريف، تبدأ أول خطوة في هذا اللقاء بهطول الأمطار بدار الكبابيش تقدم رحلة النشوغ منفعة للسعية وحفظ مراعي الدمر وتأجيل روتين الصيف ذي العناء الكثير.

3/ الموطا: هي رحلة العودة من أقصى مراعي الخريف، الذي انقضى في سبتمبر وأكتوبر إلى (المدامر) الأولى قبل الترحال.ولديهم رحلات حياتية أخرى يتجهون إلى مراعي شمال دارفور وفي حالة عودة الخريف يخترقون الحدود إلى جمهورية تشاد وصحراء ليبيا طلباً لمرعى الشتاء ويبقون هناك حتى شهر مارس وهي رحلات تبدأ من مايو حتى مارس هذه اللوحة المتنقلة توضح تحركات كبابيش المنطقة الغربية ودكة النوراب على وجه الخصوص. أما كبابيش المنطقة الشرقية لغلبة البقر في سعيتهم كانت تحركاتهم محدودة في إتجاه جنوبي وغربي ولا يقترب من دارفور إلا نفر قليل.

وضح الكاتب في الصفحات في 24- 31 تعريف بالرواة ودورهم في الحياة الاجتماعية وحفظهم لنسب الكبايش باعتبارهم مصادر شفاهية. مكنت الكاتب الإلمام الواسع بمادة بحثه ثقافياً وتاريخياً واجتماعياً ونظم القوانين العرفية.

 

يشير الكاتب إلى نسب النوراب وهي إشارات خليط من المصادر التاريخية والروايات الشفاهية في إطارها المحلي والخصوصي ويقدر ماكمايكل أن قبيلة الكبابيش أخلاط مختلطة، وهي بهذه الخلطة لا تمتلك أن تدعي أو يدعى لها بالتناسل والتكاثر من عائلة واحدة عبر حقبة تاريخية قريبة، أو تقيم أو يقام لها فروق عنصرية بينها وبين القبائل الأخرى. وعلى ضوء هذا التقدير عالج ماكمايكل نسب الكبابيش إذ أخذ يتعامل مع كل فروع من القبيلة على حدة حتى يصل به إلى أصل يطمئن له، وتلاشت من خلال هذا المنهج الذي سلم به وأنتهجه باحثون آخرون المزاعم التي روج لها التناول التقليدي عند النسابة والرحالة الأوروبيين والذي يشرون إلى الأصل الواحد للكبابيش. حيث خلص ماكمايكل من نقده للتقليد التاريخي الذي اضطلع به النسابة والرحالة الأوروبيين إلى ما يستطيع كباشي عادي أن يختصره قائلاً:(الكبابيش كريش بعشوم) دلالة على الخلطة والتباين بين الفروع التي تنتمي إلى قبيلة الكبابيش. هذا المنشأ توصل إليه ماكمايكل عن الخلطة في الكبابيش هو الارتجاج الذي تعرضت له تلك القبيلة من جراء صراعها مع الدولة المهدية، وهو صراع عرّض الكيان الكباشي لإزهاق الأرواح وإعلان الأموال والسعية غنيمةً، مما دفع بعض الفروع للكشف عن هويتها الأخرى، والكشف بذلك مستور ذلك الكيان من تركيب معقد متنوع، وقد أشار ماكمايكل إلى ظاهرة الكيان إبان المهدية، وهي ظاهرة كفيلة تلفت النظر للأخلاط المكونة لذلك الكيان.

أشار الكتاب أيضاً إلى نسب النوراب بناءً على الرواية الشفاهية التي تقول:(فالنوراب يقولون بمجيئهم في شرق العفاض بأنهم ركابية نسباً ففي أشجار النسب والمدونات الأخرى، في الروايات الشفاهية دلائل تشير إلى مسألتين:-

أولهما: أن العفاض كانت موطناً من ضمن مواطن أخرى للركابية.

 

ثانيهما: أن شرائح من الركابية ظلت تنفصل عن الحياة على النهر- التي ربما مزجت فيها بين الزراعة والرعي، وتضرب مع البدو أو غير البدو في كردفان فقد سكن العفاض أبناء مصباح بن سليم بن رباط بن غلام الله ومصباح هو ثمرة زواج سليم من بنت عمه جنبية بنت ركاب غلام الله، وكذلك سكن العفاض حسن ود بليل الركابي من ذرية عبد الرازق بت رباط بن غلام. وأوضح الإشارات فيما يتعلق بالنوراب ما جاء عن سكانهم العفاض، ثم إنخراطهم مع الكبابيش، ونجد إشارات أخرى إلى شرائح من الركابية رباط بن غلام الله (أولاد موسى ولد مرين) قد استقروا بحيل الحرازة، ونجد نسل مالك وقريش وعبيدي أبناء حسن بن الحاج بليل بن سليم بن عبد الرازق بن سليم بن رباط بن علام الله بالكنار وجبل أبوتبر ودود- ويتسنى لنا أن نأخذ مأخذ الجد ما يقوله النوراب من أنهم ركابية من شرق العفاض، فقد تبين لنا أن العفاض كانت موطناً ضمن مواطن أخرى للركابية، وأن شرائح من الركابية قد درجت على الانسلاخ من النهر، لتندغم في قبائل أخرى في كردفان، وقد كان نصيب الكبابيش من الشرائح الركابية ملحوظاً.

 

انشأ الصديق حمرة الفكي من أهالي الخرطوم بحري إن كل شجرة النسب المتعلقة بالنوراب في صلتهم مع الكبابيش حيث يقول عبد الله:(إن النوراب ليسوا أصلاً في نواة الكبابيش برغم كونهم صدارة القبيلة وبين الشيخة فيها لأكثر من القرنين ونصف القرن وقد تسلل النوراب إلى صدارة القبيلة خلسة بواسطة فرع الربيقات الذي انتزع الشياخة من أولاد عقبة، من هنا كان مصدر الحرج الذي يحيط بالنوراب في مجتمع رعوي لا يغني فيه النجاح بالاكتساب عن الوجود المبرر بالأصل. فالأعمال الحربية والإدارية التي أضطلع بها النوراب خلال زعامتهم للقبيلة لا تشفع للنوراب شيئاً، ولا تلهى الكبابيش الآخرين، الذين يعتقدون أنهم النواة الأولى للقبيلة عن الخوض في أصل النوراب، لقد استمعت إلى أكثر من رواية تحكي عن الحرج الذي يتعرض له النورابي إذا حضر مجلساً وتجاذب القوم فيه أطراف الحديث عن الأنساب ورغم معرفة النوراب لأصلهم الركابي فنادراً ما يصرحون به لدى السؤال المباشر.

 

أشجار النسب التي أولت بنسب النوراب هي آيديولوجيات أكثر من كونها حقائق نسب وتاريخ وإن استندت إليها بصورة أو أخرى وهي آيديولوجيات تستهدف أن تغطي حرج الأصل، وأن تعوض متبنيها عن ذلك الحرج ليستشعر بها إمتزاجاً مع من حوله، وآيديولوجياً يمكن لشجرة النسب أن تأتي في أكثر من صورة وأن يهتم بها حتى من النوراب نفر قليل ممن في يدهم مقاليد الأمور ناهيك أن يثق في صحتها أفراد الكبابيش الآخرين الذين يعلون من قدر الأصل الثابت.

 

نواصل..