آخر الأخبار

عثمان ميرغني..مقارنة معيبة بين وفد حمدوك 2019 ووفد إدريس 2025

 

عمرو خان

*في السودان غالبًا ما تُقاس التجارب السياسية بمعيار التجارب السابقة دون مراعاة للبعد الزماني والظرف التاريخي. فالساسة والقوى السياسية والمدنية والنخب، وحتى الطلائع، جميعهم يبحثون عن رئيس وزراء (سوبرمان)، يقفز من فوق الأرض ليطير في السماء وينقذ البلاد من الكوارث الإنسانية التي تسبب بها البعض، فضلًا عن الكوارث الطبيعية التي ابتُلي بها السودان امتحانًا وابتلاءً

*قرأت اليوم مقالة للأستاذ عثمان ميرغني، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي السوداني المخضرم، تناول فيها مشاركة الوفد السوداني برئاسة الدكتور كامل إدريس، رئيس الوزراء، في فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2025، مقارنًا ذلك بمشاركة الوفد السوداني في 2019 برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك. وقد أسهب ميرغني في المقارنات بين نتائج المشاركتين، وانتهى إلى ترجيح كفة وفد حمدوك على وفد إدريس، استنادًا إلى مخرجات الحضورين.

*لكنني وجدت أن عثمان ميرغني كان يقف على أرض ملتهبة، بينما يرفض الاعتراف بحريقها الذي لم ينجُ منه لا الدود في باطن الأرض ولا الطير في السماء. لذلك جاءت قراءته قائمة على مقارنة غير عادلة. فظروف سفر وفد حمدوك للمشاركة في اجتماعات الشق رفيع المستوى للجمعية العامة للأمم المتحدة كانت مغايرة تمامًا لظروف سفر وفد إدريس. الأول سافر في فترة تظاهرات وعدم استقرار سياسي، في مرحلة سادتها رياح التغيير بكل قوة، وهو ما هيّأ الرأي العام الدولي لتوقع شيء إيجابي قد يحدث في السودان برحيل الرئيس السابق عمر البشير. أما وفد إدريس فقد غادر والخراب يطير شظايا هنا وهناك، وآثاره تجاوزت حدود السودان الجغرافية، فيما سيطرت تداعياته على أبسط مقومات العيش التي باتت أقل من العادية.

*في سبتمبر 2019، حمل وفد السودان برئاسة الدكتور عبد الله حمدوك إلى نيويورك خطابًا مشبعًا برياح التغيير التي هبت مع سقوط النظام السابق. وقد انعكس ذلك في تفاعل المجتمع الدولي الذي رأى في السودان حينها صفحة جديدة يمكن البناء عليها، فتم الإعلان عن وعود ودعم اقتصادي مباشر، إلى جانب خطوات عملية تمثلت في البدء بجدولة تخفيف جزء من الديون الخارجية المتراكمة، وهو ما عُدّ مكسبًا اقتصاديًا ودبلوماسيًا مهمًا للحكومة الانتقالية الناشئة.

*أما في سبتمبر 2025، فقد سافر وفد السودان بقيادة الدكتور كامل إدريس محمّلًا بآمال أكبر من الإمكانات الواقعية. لم يكن هدفه الحصول على تعهدات اقتصادية فورية، بل تقديم رواية السودان الحقيقية للعالم: أن ما يجري على أراضيه ليس حربًا أهلية بين مكونات شعبية متناحرة، وإنما مواجهة مباشرة تقودها الدولة ضد تمرد مسلح غير مسبوق شنته ميليشيا الجنجويد، مدعومة بمرتزقة أجانب وقوى إقليمية ودولية تسعى إلى تقسيم السودان وإحداث تغييرات ديموغرافية في عواصمه السياسية والثقافية.

*غير أن نتائج زيارة وفد إدريس اختلفت جذريًا عن زيارة وفد حمدوك. إذ لم يحصل الوفد على وعود بتخفيف الديون أو دعم اقتصادي ملموس، لكنه نجح في إيصال خطاب سياسي ودبلوماسي أوضح فيه حقيقة المعركة التي يخوضها السودان ضد مشروع خارجي للتمزيق والتهجير. وبذلك، تحوّلت المشاركة من “حصاد مكاسب اقتصادية” إلى “محاولة صياغة رواية سياسية ودبلوماسية” تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية تجاه وحدة السودان واستقراره.

*من هنا، فإنني أرى أن من الأجدر أن يعيد ميرغني مقارنته من هذا الأساس، وأن ينظر إلى طبيعة الرأي العام الدولي اليوم، وإلى الأطراف التي ترى أنه بالإمكان مد يد العون لتحقيق مصلحة مشتركة مع السودان، مقابل أولئك الذين يملكون كل المصلحة في إبقاء الوضع على ما هو عليه دون تغيير.

*كنت أود من عثمان ميرغني أن يأخذ في اعتباره عند المقارنة بين وفد حمدوك ووفد إدريس عامل الزمن، والواقع السياسي، ومتغيرات المشهد الداخلي، ومدى قدرة الفاعلين الإقليميين والدوليين على التأثير فيه. هذا إلى جانب التحولات الجيوسياسية المتسارعة في شرق إفريقيا، والقرن الإفريقي، والشرق الأوسط، وجميعها عوامل لا يمكن إغفالها عند إجراء المقارنات والمحاسبات بين الوفدين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

*إن ما أطرحه هنا ليس دفاعًا عن حكومة إدريس ولا عن إدريس نفسه، ولا هو محاولة لتلميع صورة أو تبييض وجه. لكنه، ببساطة، دعوة للنظر إلى الموضوع بعين موضوعية تراعي الفارق بين السياقات. فنجاحات وفد حمدوك لم تكن لتتحقق لولا المناخ الدولي الذي احتفى برياح التغيير آنذاك، بينما جاءت مشاركة وفد إدريس لتضع العالم أمام رواية السودان الحقيقية في مواجهة مشروع التمرد والتمزيق. وعليه، فإن المقارنة العادلة لا تكون بالنتائج وحدها، بل بالظروف والسياقات والرهانات التي أحاطت بكل مشاركة.

*كاتب صحفي مصري