استراتيجيات تفكيك السودان والوعي الشعبي
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
تتعامل هذه المعالجة بعين التحليل الاستراتيجي: تفكيك دولةٍ ما لا يحدث صدفة، بل عبر مزيج من أدوات سياسية واقتصادية وإعلامية وعسكرية يُوظَّف من جهات داخلية وخارجية لزعزعة استقرار النظام الاجتماعي والدولي للدولة. في حالة السودان، تُستخدم استراتيجيات متعددة متداخلة: استغلال الأسواق السوداء والتهريب (خاصة في قطاعات الذهب والموارد)، دعم فصائل مسلحة بالتسليح والتمويل عبر قنوات إقليمية، وإضعاف المؤسسات الحكومية من خلال شبكات فساد ومصالح خاصة. هذه الأدوات تخلق اقتصاداً مسلحاً يطيل أمد الصراع ويحول موارد الدولة إلى مكاسب فئوية لا تخدم المواطن.
في هذه الظروف، تفرض الحرب المعلوماتية نفسها كأداة حاسمة: حملات تضليل عبر وسائل التواصل، شبكات وروبوتات تروج روايات متضاربة، وتشويه سمعة فصائل أو رموز وطنية لخلق انقسامات داخل المجتمع. الإعلام الممول أو المُوجَّه يسعى إلى تحويل اختلافات اجتماعية وتاريخية إلى نزاعات مسلحة، ويستخدم تحييزات قبائلية أو إقليمية لتكريس الانقسام. إن فهم آليات التضليل الرقمي والتمييز بين المصادر الموثوقة والمزيفة أصبح ضرورة استراتيجية.
بالاضافة الى ذلك هناك استغلال للانقسامات الاجتماعية والسياسية بتكتيكات «فرق تسد»: دعم قادة محليين أو حركات انفصالية، أو زرع وكلاء سياسيين يعملون على تقويض برامج المصالحة وبناء الدولة. إلى جانب ذلك تُستغل الأزمات الاقتصادية (انهيار العملة، البطالة، نقص السلع) لزراعة الاستياء الشعبي وتحويله إلى دعم لأطراف تسعى للاستحواذ على السلطة أو الموارد. هذه الاستراتيجية تعمل على تسييل البيئات المجتمعية لصالح شبكات مُسلَّحة وغير رسمية.
كيف يواجه الشعب هذه المخاطر؟
أولاً: وعي معرفي منظّم — تعليم مجتمعي ركائزه حقیقتان: قدرة المجتمع على فحص المصادر الإعلامية، وفهم الخيوط الاقتصادية للصراع، ومعرفة من المستفيد الحقيقي من كل أزمة. ثانياً: صون المؤسسات المدنية—دعم الإعلام المستقل والمنظمات الأهلية ومراقبة الفساد يعيد ثقة المواطنين بالمؤسسات ويقي من فراغ يُستغل. والجدير بالذكر أن بناء شبكات محلية وصلابة مجتمعية—مبادرات التضامن المجتمعي، لجان حماية مدنية بعيدة عن الولاءات الضيقة، وجهود إغاثة ومنع زعزعة الأمن الغذائي تُقلّص من فرص الاستغلال.
أخيراً، الوعي الاستراتيجي الشعبي يتطلب خطة عمل واضحة: حملات توعوية منهجية، تعليم رقمي لمقاومة التضليل، مؤشرات مراقبة محلية للاقتصاد غير الرسمي، وتعاون مدني‑ مدني بين المدن والريف لتعزيز وحدة المصالح الوطنية. حماية الأرض ليست واجباً حكوميّاً فحسب، بل مشروع جماعي يتطلب تضافر الوعي والسلوك والمؤسسات؛ فكلما صعد وعي الشعب الإستراتيجي، ضاق مجال العملاء والخونة للعمل والتمويل والتجنيد داخل الأرض السودانية.
ميمونة سعيد
رئيس هيئة تحرير مجلة السودان العلمية/ مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية
رئيس هيئة تحرير المجلة السودانية للتوفيق والتحكيم/ المركز السوداني للتوفيق والتحكيم
نائب رئيس تحرير مجلة الدراسات الاستراتيجية بالأكاديمية العسكرية العليا