
دوي رصاص قاتل يفتك بالسياسة السودانية.. اسمع يا زووول
عمرو خان
*تصفية حسابات القوى السياسية –الأحزاب والقوى المدنية والنخب– في السودان، لم تعد مجرد عارض جانبي لأزمة مركبة، بل أضحت في ذاتها أزمة قائمة بذاتها، تعرقل مسار الحل السياسي، بل وتجهض العملية السياسية برمتها وهي لا تزال في مهد كتابتها الأولى.
*فما تشنه الأحزاب من حملات، وما تقذفه التحالفات في وجه بعضها البعض، وما تشهره القوى المدنية ضد نظائرها من اتهامات، يشبه رصاصات قاتل مأجور؛ تُطلق بدم بارد، لهدف واضح لا يقبل التردد، وبأنفاس مكتومة ودقة في القنص، لا تخطئ صدر الخصم، ولا تبالي بما يحيط بالمشهد من خراب.
*إنه صراع قام، ولم يأن له أن يركن إلى ركنٍ مهمل، أو أن يهدأ احترامًا لدماء سالت، وبراءة انتهكت، وطهارة دنست، وحضارة تهدمت، وهوية تنهشها في الجذور مليشيا لا أهلية لها، ولا عنوان سوى محو الخرائط وقهر الإنسان.
*صراع يتغذى على الضجيج، ويتكاثر بالاتهامات، ويجد في الفوضى بيئة مثالية للاستمرار، غير عابئ بأن الوطن ينزف، وأن المجتمع يتشقق، وأن فكرة الدولة نفسها تتآكل.
*تُلقي الاتهامات أشكالًا وألوانًا، ولا تأبى القوى السياسية أن تكف عن إرباك المشهد السياسي السوداني، وكأنها راغبة، عن وعي أو عن عجز، في إعادة إنتاج الأزمة المزمنة بين مكوناته.. فكل طرف يرى نفسه الأحق، والأقدر، والأكفأ في إدارة السودان، وحمل سفينته إلى بر الأمان، بينما الواقع يشهد أن هذه السفينة لم تغادر الميناء أصلًا، وأن الركاب يُتركون كل مرة فريسة للغرق.
*وإن كان تكرار المشاهد مدعاة للملل، فإن السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف لا تمل هذه القوى نفسها، وهي تقع في الفخ ذاته مرة بعد أخرى؟ وكيف لا تميل –ولو مرة واحدة– إلى مصلحة السودان، دون أن تخوض معركة وجودية من أجل الانتصار لرؤيتها الخاصة، حتى وإن كان ثمن ذلك مزيدًا من الانقسام، ومزيدًا من الدم؟.
*في هذا السياق، يبرز حزب الأمة القومي السوداني، وهو أحد أعرق وأكبر الأحزاب السياسية في السودان، تأسس رسميًا في فبراير 1945 كواجهة سياسية لجماعة الأنصار.
*ففي السابع والعشرين من يناير 2026، أصدر الحزب بيانًا حمل جملة من الاتهامات الموجهة إلى حزب المؤتمر الوطني السوداني، مطالبًا بفك تحالف ما يُعرف بـ(تأسيس)، وفي المقابل أشاد بما يُعرف بتحالف (صمود)، مؤكدًا دعمه وتأييده لمواقفه تجاه المبادرات الإقليمية الساعية للحل السياسي للأزمة السودانية.
*بيان يعكس، في جوهره، منطق الاصطفاف، ويعيد إنتاج معادلة (نحن) و(هم)، في لحظة كان الأجدر فيها البحث عن أرضية مشتركة لا عن خنادق جديدة.
*وحتى لا يظن أحد أننا نتصرف من منطلق تحيز، فإننا لا ننتقد حزب الأمة القومي السوداني لمجرد انتقاده لحزب المؤتمر أو مطالبته بفك ما يسميه (تأسيس).. ولا نقف بجانب حزب المؤتمر الوطني السوداني، إذ إنه بالنسبة لي القضية أكبر من ذلك، فهي محاولة لكشف الحقيقة أمام من يختار أن يرى ما يرسمه خياله فقط.
*فحزب الأمة، الذي يدعم تحالف (صمود)، يواجه هذا التحالف نفسه اتهامات من قوى سياسية أخرى، فكيف يُعقل أن يمارس حزب الأمة سلطات الإقصاء ويرفضها حين تُمارس ضده؟ هذا التساؤل يضع الحزب أمام اختبار مصداقيته وموقفه من الممارسة السياسية العادلة.
*هكذا هي السياسة، وهكذا هم اللاعبون في أروقتها؛ حينًا يلهثون خلف أفكار نُسجت من عتمة الليل، وحينًا آخر يجلسون في مقعد المتفرج لما كُتب عليهم أن يكونوا أبطاله. فلا يوصلون قطعًا، ولا يلمّون جرحًا، بقدر ما تتجلى براعتهم في صناعة الجدل من أجل البقاء.
*والتاريخ، بشواهده القاسية، أثبت أن كل من وصل إلى رأس السلطة أدار البلاد بوجهة نظره الخاصة، لا بمستوجبات الوصول إلى الغد في أمن واستقرار.
*اتهامات متبادلة بين القوى السياسية، بأن الإقصاء بات منهجًا متبعًا، وأن الاعتماد على الوسائل غير المدنية في الوصول إلى السلطة صار غاية في حد ذاته. فالانقلابات، والاستعانة بالمليشيات، واختراق المؤسسات، لم تعد استثناءات معزولة، بل تحولت إلى عادات سياسية، تُمارس بلا خجل، ثم تُدان في العلن، ويُعاد إنتاجها في الخفاء.
*وفي ضوء هذا الواقع المأزوم، ترتفع الأصوات مطالبة بمحاسبة متبادلة، وبمساءلة كل طرف عما وجهه من اتهامات إلى الآخر، وبالاعتراف بالأخطاء بدل نكرانها.. غير أن المفارقة تكمن في أن أحدًا لا يمنح الآخر حق الدفاع عن نفسه، فالجميع يعتقد أن الإنكار لا يفيد، وأن الاعتراف وحده هو الطريق، لكن دون أن يبدأ بنفسه.. اعتراف مطلوب دائمًا من الخصم، ومؤجل أبدًا للذات.
*وهنا تتجلى الصورة الأكثر تعقيدًا: أحزاب بلا أذرع مسلحة تشير بأصابع الاتهام إلى أحزاب تمتلك أذرعًا مسلحة، وأحزاب تتحدث باسم المدنية وهي عاجزة عن حمايتها، وقوى تدّعي الحرص على الدولة بينما تسهم، عن قصد أو عن غير قصد، في تقويضها.
*وبين هذا وذاك، يظل السودان رهينة صراع نخب لم تحسم بعد سؤالها الأساسي: هل السياسة وسيلة لإنقاذ الوطن، أم أداة لتصفية الحسابات؟.. ويبدوا إنه ما لم تُحسم هذه المعضلة، وما لم تُقدَّم مصلحة السودان على رؤى الأحزاب، ستظل العملية السياسية هدفًا مشروعًا لرصاص الاتهامات، وستظل البلاد تدور في حلقة مفرغة، عنوانها الكبير: أزمة بلا نهاية.
*كاتب صحفي مصري