آخر الأخبار

تداعيات الخريف … من كارثة متوقعة إلى فرصة للبقاء(5-6)

أصداء من الواقع ومن أجل مستقبل واعد

دكتور مزمل سليمان حمد

 

*خريف 2026 على الأبواب. وتقارير الهيئة العامة للأرصاد الجوية الصادرة في 20 أبريل 2026م تحذر: معدلات الأمطار المتوقعة أعلى بـ35% من المتوسط، مع مؤشرات قوية لفيضانات مدمرة في حوض النيل الأزرق ونهر القاش وولايات كردفان ودارفور.

*الخريف في السودان لم يعد موسماً صار امتحان دولة.. ونتائج الامتحانات السابقة تقول: راسب بامتياز.. خريف 2024م وحده خلّف 2.3 مليون متضرر، وانهيار 400 ألف منزل، ونفوق 1.2 مليون رأس ماشية، وخسائر زراعية بـ700 مليون دولار حسب تقارير OCH

*السؤال ليس هل سيأتي الخريف؟ بل هل تعلمنا شيئاً؟.. هذا المقال يضع خارطة طريق عملية، لأن الكلام الإنشائي يقتل، والتحرك المبكر يحيي.

*أولاً: التشخيص.. ماذا يعني خريف فوق المتوسط في 2026؟

1- التداعيات الصحية: مياه راكدة  كوليرا + ملاريا + حمى الضنك.. وزارة الصحة الاتحادية سجلت في خريف 2024م أكثر من 18 ألف حالة كوليرا.. هذا العام، مع ضعف البنية الصحية بعد الحرب، الرقم مرشح للمضاعفة.

2- التداعيات الغذائية: الخريف يضرب عصب الغذاء مرتين: يدمر المخزون القائم في المخازن الطينية، ويقطع طرق الإمداد للمناطق المنتجة. النتيجة: مجاعة صامتة في سبتمبر وأكتوبر. تقرير الأمن الغذائي IPC الصادر مارس 2026م يصنف 9.8 مليون سوداني في المرحلة الثالثة أزمة قبل الخريف. بعد الخريف ندخل المرحلة الرابعة طوارئ.

3- التداعيات اللوجستية: 80% من طرق الولايات الترابية تنقطع كلياً من يوليو إلى أكتوبر.. هذا يعني أن أي تحرك إغاثي بعد هطول الأمطار هو تحرك فاشل.

4- التداعيات الأمنية: معسكرات النزوح على ضفاف الأودية. انهيار الجسور يعزل الحاميات. انقطاع الإمداد يخلق فراغاً أمنياً تستغله كل الجماعات المسلحة.

*الخلاصة: نحن لا نواجه مطرا نحن نواجه انهيار مركب صحي + غذائي + أمني + لوجستي.

*ثانياً: مبدأ الـ72 ساعة الذهبية لم يعد كافياً.. المطلوب الـ60 يوماً الذهبية

 

تجربة العالم تقول: الاستجابة بعد الكارثة تكلف 7 أضعاف الوقاية قبلها.. لذلك يجب الانتقال من عقلية غرفة طوارئ الخريف التي تجتمع في يوليو، إلى عقلية قيادة عليا دائمة للخريف تبدأ عملها في مايو.

*ما هي معينات طوارئ الخريف المطلوبة فوراً قبل 15 يونيو 2026م؟

البند الكمية المطلوبة تقديرياً الهدف المباشر    الجهة المسؤولة

الخيام والمشمعات        500 1- ألف قطعة   إيواء 2.5 مليون متوقع تضررهم    الدفاع المدني + مفوضية العون الإنساني

طلمبات سحب المياه

10,000 طلمبة محمولة منع تحول الأحياء لبحيرات وزارة الري + الولايات

كلور وأقراص تنقية     50 *مليون

قرص     منع الكوليرا في مصادر الشرب     وزارة الصحة + اليونيسف

حصص غذائية جافة     2 مليون حصة تكفي 3 أشهر كسر المجاعة في المناطق المعزولة المخزون الاستراتيجي + برنامج الغذاء

جسور معدنية مؤقتة     200 5- جسر سريع التركيب        فتح الشرايين المقطوعة       وزارة البنى التحتية + سلاح المهندسين

6- أدوية طوارئ محاليل وريدية + مضادات حيوية + أمصال خفض الوفيات 60%   الإمدادات الطبية

الوقود الاحتياطي

50 مليون لتر جازولين تشغيل الطلمبات والإسعاف وزارة الطاقة

هذه ليست رفاهيات.. هذا هو الفرق بين دولة ومقبرة.

*ثالثاً: ملف الغذاء.. من الإغاثة إلى الصمود الغذائي

الكارثة الأكبر ليست الغرق. الكارثة هي الجوع بعد الغرق والجوع له 3 مراحل يجب ضربها استباقياً

1- مرحلة حماية المخزون الحالي: عملية سقف آمن

90 % من مخزون الذرة والدخن عند المزارعين محفوظ في المطامير والدبنقا الطينية.. أول مطرة تتلفه. المطلوب: حملة قومية عاجلة مدتها 30 يوماً لتوزيع 2 مليون مشمع سميك + تدريب على التخزين المرتفع. تكلفة الحملة 4 ملايين دولار. تكلفة فقدان المخزون 400 مليون دولار. الحساب واضح.

2- مرحلة تأمين الإمداد: المخازن المتقدمة.

بدل تخزين كل الإغاثة في بورتسودان، يجب ترحيل 40% منها الآن إلى 12 مخزناً ولائياً متقدماً في: الأبيض، كوستي، القضارف، كسلا، دنقلا، الفاشر، نيالا، الجنينة، الدمازين، سنار، عطبرة، وادي حلفا. عندما تنقطع الطرق، يكون الغذاء داخل الولاية لا خارجها. هذا هو الفرق بين الحياة والموت.

3- مرحلة الزراعة الذكية: تقاوي الطوارئ

الخريف يدمر العروة الصيفية، لكنه فرصة للعروة الشتوية. المطلوب: توزيع 100 ألف طن تقاوي قمح وذرة شامية قصيرة العمر “90 يوماً” مجاناً في أكتوبر. كل أسرة تزرع فداناً في الجروف بعد انحسار الفيضان، تنتج غذاءها بنفسها. نتحول من متلقين للإغاثة إلى منتجين للصمود.

*رابعاً: المال موجود.. أين الإرادة؟

الحجة الجاهزة دائماً: لا توجد ميزانية هذه كذبة.

1- بند الطوارئ: الموازنة الاتحادية 2026م فيها بند طوارئ وكوارث بـ200 مليون دولار لم يصرف منه 10 %

2- أموال المانحين: برنامج الغذاء العالمي رصد 350 مليون دولار للسودان 2026م، شرط الحكومة: تقديم خطة توزيع واضحة 3-

أصول الدولة: الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون وحدها تملك أراض وعقارات في قلب الخرطوم وأم درمان تقدر بـ80 مليون دولار. رهن عقار واحد يكفي لشراء كل طلمبات السحب

 

المشكلة ليست في الجيب، بل في ترتيب الأولويات. شراء 10 عربات دستورية جديدة = تكلفة إيواء 20 ألف أسرة.

*الخلاصة: الخريف لا ينتظر خطاباتنا

خريف 2026 سيأتي في موعده. والسؤال الذي سيطرحه التاريخ: هل مات السودانيون لأن السماء أمطرت، أم لأن الدولة نامت؟.

*المطلوب قرار واحد من مجلس السيادة خلال 72 ساعة: “إعلان حالة طوارئ الخريف من 1 مايو إلى 30 نوفمبر 2026م” وتشكيل “اللجنة العليا الدائمة للخريف” بصلاحيات مالية كاملة وبرئاسة نائب رئيس مجلس السيادة، وعضوية: الدفاع، الداخلية، الصحة، الزراعة، الري، المالية، الحكم الاتحادي.

*غير ذلك، فكلنا شركاء في الجريمة. والمطر لا يرحم، والجوع لا يؤجل، والتاريخ لا ينسى.