آخر الأخبار

عيدٌ بطعم الغربة… ووطنٌ يسكن القلوب

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

يمر السودان اليوم بواحدة من أكثر المراحل قسوةً وألمًا في تاريخه الحديث، مرحلة اختلطت فيها الدموع بالدعوات، والحنين بالأمل، والوجع بالإيمان بأن هذا الوطن الذي صبر طويلًا لا بد أن ينهض من جديد. ففي هذا العيد، يستقبله كثير من السودانيين بعيدًا عن منازلهم ومدنهم وقراهم، بعضهم في المنافي، وبعضهم في معسكرات النزوح والملاجئ، وآخرون يطاردون الأمان بين حدود الدول وطرقات النزوح الطويلة. عيدٌ يأتي على شعب أثقلته الحرب، لكنه لم يفقد إيمانه بالله ولا تمسكه بوطنه.
ما بين عيدٍ في غربة، وعيدٍ في ملجأ، وعيدٍ على شظف العيش وقسوة الظروف، ترتفع أكف السودانيين إلى السماء بالدعاء: اللهم ردنا إلى بلادنا سالمين آمنين مطمئنين، موحدين لا متفرقين، متسامحين لا متنازعين، تجمعنا راية وطن واحد لا تفرقه القبيلة ولا الجهة ولا المصالح الضيقة. فالسودان لم يكن يومًا وطنًا لقبيلة بعينها أو جهة دون أخرى، بل ظل عبر تاريخه الطويل أرضًا للتنوع والتعايش والتسامح الإنساني الفريد.
لقد كشفت هذه الحرب حجم المأساة التي يمكن أن تصيب الأوطان حين تتقدم الانقسامات على الهوية الوطنية، وحين تتحول الخلافات السياسية إلى صراع يمزق الإنسان والمكان. لكن وسط هذا الألم الكبير، برزت أيضًا معاني عظيمة تؤكد أن الشعب السوداني ما زال يحمل في داخله معدنًا أصيلًا من الصبر والتكافل والرحمة. فقد تقاسم الناس الطعام والمأوى والدواء، وفتحت مدن وقرى أبوابها للنازحين، وظهرت نماذج إنسانية تؤكد أن السودانيين مهما اشتدت المحن يظلون شعبًا يعرف معنى النجدة والمروءة والوقوف مع بعضهم البعض.
إن السودان ليس وطنًا فقيرًا ولا أرضًا عاجزة عن احتضان أبنائها، بل هو من أغنى الدول بالإمكانات الطبيعية والبشرية. فهذه البلاد الشاسعة التي تعادل مساحتها مساحات دول عديدة، تمتلك أراضي زراعية خصبة، وموارد مائية هائلة، وثروات معدنية متنوعة، وموقعًا استراتيجيًا يربط بين إفريقيا والعالم العربي، إضافة إلى شعب عرف بالذكاء والصبر والقدرة على البناء والعمل. ولذلك فإن ما يمر به السودان اليوم لا يعكس ضعف إمكانياته، وإنما يعكس حجم التحديات والانقسامات التي عطلت قدراته وأهدرت طاقاته.
ولعل من أكثر المشاهد إيلامًا أن ترى السوداني موزعًا بين أطراف الأرض، يحمل وطنه في قلبه أينما ذهب، ويعيش على أمل العودة. ففي كل بيت سوداني اليوم حكاية نزوح أو فقد أو انتظار. هناك أم تنتظر ابنها، وطفل يسأل عن مدرسته، وشيخ يحن إلى قريته، وشباب يحملون أحلامًا مؤجلة حتى يعود الوطن معافى. ومع ذلك، ما زال السودانيون يتمسكون بالأمل، لأن الشعوب العظيمة لا تموت مهما اشتدت عليها المحن.
إن المرحلة الحالية تتطلب من الجميع مراجعة عميقة لمعنى الوطنية الحقيقية، فالوطن لا يُبنى بالخطابات وحدها، وإنما يُبنى بالوعي والتسامح والقدرة على تجاوز الجراح من أجل مستقبل الأجيال القادمة. لقد أثبتت التجارب أن الدول التي تنهض بعد الحروب هي تلك التي تنتصر لهويتها الوطنية الجامعة، وتُعلي قيمة الإنسان فوق كل الانتماءات الضيقة. والسودان اليوم بحاجة إلى ترسيخ معنى “السودانية” باعتبارها الهوية التي تتسع للجميع دون استثناء.
كما أن الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة البلاد يمثل مسؤولية وطنية كبرى، لأن انهيار الأوطان لا يدفع ثمنه السياسيون وحدهم، بل تدفعه الشعوب لعقود طويلة من المعاناة والتشرد والفقر. ولذلك فإن الأمل معقود على أن يتجاوز السودانيون هذه المرحلة بروح الحكمة والمسؤولية، وأن يعود الوطن ساحةً للعمل والبناء بدلًا من الحرب والدمار.
وفي خضم هذا الألم، يبقى الدعاء هو السند الأكبر لشعب أنهكته المآسي لكنه لم يفقد إيمانه بالله. اللهم احفظ السودان وأهله، واحقن دماء السودانيين، واجمع كلمتهم على الحق والخير، ووحد صفوفهم، وأعد النازحين واللاجئين إلى ديارهم سالمين مطمئنين. اللهم اجعل هذا البلد آمنًا مستقرًا، وارفع عنه الفتن ما ظهر منها وما بطن، وانصر قواته التي تدافع عن أرضه وشعبه، وألّف بين قلوب أبنائه حتى يعود السودان وطنًا يتسع للجميع، وطنًا تُبنى فيه الأحلام بدلًا من أن تُدفن تحت ركام الحرب.
سيعود السودان، لأن الأوطان العظيمة قد تتعب لكنها لا تموت، ولأن الشعوب التي تحمل في داخلها كل هذا الحب لوطنها قادرة مهما طال الألم أن تصنع فجرها الجديد.