
مرة أخرى… لماذا هذا التجاهل للإذاعة السودانية يا وزارة الثقافة والإعلام؟
أصداء من الواقع… ومن أجل مستقبل واعد
دكتور مزمل سليمان حمد
*لم يعد الحديث عن تهميش الإذاعة السودانية مجرد انطباعات يتداولها العاملون داخل المؤسسة، بل تحول إلى قضية رأي عام إعلامي بعد الخبر الذي نشرته وكالة السودان للأنباء (سونا) عن مشروع إعمار التلفزيون السوداني، والذي خلا تمامًا من أي إشارة إلى الإذاعة السودانية، رغم أنها المؤسسة الإعلامية الأقدم، والأكثر تضررًا من الحرب، والأشد ارتباطًا بذاكرة السودان الوطنية.
*وقد أثار ذلك الخبر موجة واسعة من الغضب والاستياء وسط الإذاعيين، الذين رأوا فيه رسالة سلبية تعكس اختلالًا في ترتيب أولويات إعادة الإعمار، وتجاهلًا لمؤسسة ظلت لأكثر من ثمانية عقود تمثل صوت السودان في السلم والحرب، وفي أوقات الاستقرار والأزمات.
*ولم يكن اعتراض العاملين نابعًا من رفض إعادة إعمار التلفزيون، فالتلفزيون جزء أصيل من منظومة الإعلام الوطني، والجميع يتطلع إلى عودته أكثر قوة وحداثة، لكن الاعتراض كان على غياب العدالة في الخطاب الرسمي، وكأن الإذاعة ليست شريكًا أصيلًا في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، أو كأنها لم تتعرض لما تعرض له التلفزيون، بل إنها كانت الأكثر تدميرًا وخسارة.
*فالإذاعة السودانية فقدت خلال الحرب ثلاثة عشر استوديوً كاملاً، دُمِّرت أو خرجت تمامًا عن الخدمة، وفقدت معها أجهزة واستوديوهات تاريخية ومعدات تراكمت عبر عقود طويلة من العمل الإعلامي. وحتى هذه اللحظة، لم تُعلن وزارة الثقافة والإعلام عن خطة واضحة لإعادة إعمار الإذاعة، أو تعويض معداتها، أو إعادة تأهيل بنيتها الفنية.
*وهنا يبرز سؤال مشروع: هل شكّلت الوزارة لجنة فنية لحصر حجم الخسائر التي لحقت بالإذاعة السودانية؟ وهل أُعلن للرأي العام حجم ما فقدته هذه المؤسسة الوطنية من أجهزة واستوديوهات وأرشيف ومعدات؟ أم أن الملف لا يزال غائبًا عن أولويات الوزارة؟ لا نملك إجابة واضحة، ولذلك تبقى هذه الأسئلة معلقة، ومن حق العاملين والرأي العام أن يجدوا لها إجابات شفافة.
*إن القضية ليست قضية مبانٍ أو جدران أسقطتها الحرب، وإنما قضية رسالة إعلامية أصابها الشلل. فالإذاعة لا تقوم على الأسمنت والخرسانة، وإنما على الاستوديوهات، وأجهزة البث، ووحدات التسجيل، وغرف التحكم، وشبكات الإرسال، والمكتبة الصوتية، وهي جميعها مقومات أساسية لا يمكن للإذاعة أن تستعيد دورها الوطني من دونها.
*وقبل كل ذلك، هناك الإنسان.. الإنسان الذي صنع تاريخ هذه المؤسسة.. فالعاملون بالإذاعة هم رأس مالها الحقيقي، وهم أصحاب الخبرة والتجربة الذين ظلوا أوفياء لها في أصعب الظروف.. لذلك فإن أي حديث عن الإعمار يجب أن يبدأ بإعادة الاعتبار لهؤلاء، واستدعائهم للمشاركة في إعادة بناء مؤسستهم التي أحبوها وأخلصوا لها، قبل الحديث عن الواجهات والمكاتب والمباني.
*والأخطر من ذلك أن آثار هذا التراجع أصبحت واضحة في خريطة البث نفسها.. فالبث الإذاعي الذي كان يصل إلى معظم أنحاء السودان، تقلص بصورة مؤلمة لا تليق بتاريخ الإذاعة السودانية ولا برسالتها الوطنية. فالإرسال لا يكاد يتجاوز منطقة جبل أولياء، بينما أصبحت مناطق واسعة خارج نطاق التغطية الطبيعية لإذاعة تحمل اسم السودان.
*وهنا يبرز سؤال آخر: كيف يمكن أن تسمى هذه (إذاعة السودان)، بينما أصبح نطاق بثها بهذا القدر من المحدودية؟ وأين أجهزة الإرسال الجديدة؟ وأين خطط تحديث الشبكة الإذاعية التي يفترض أن تصل إلى كل مواطن سوداني؟.
*لقد مضت ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، وها نحن ندخل العام الرابع، وما تزال الإذاعة تنتظر مشروعًا حقيقيًا يعيد إليها الحياة. فأين خطة الإعمار؟ وأين الميزانيات المخصصة لإعادة بناء الاستوديوهات؟ وأين أجهزة البث والإرسال؟ وأين الرؤية التي تعيد لهذا الصرح الوطني مكانته التي يستحقها؟ إن مرور كل هذه السنوات دون برنامج معلن لإعمار الإذاعة يثير تساؤلات مشروعة حول ترتيب الأولويات داخل وزارة الثقافة والإعلام.
*ولا تقف الأزمة عند حدود المباني والمعدات، بل تمتد إلى الإنسان نفسه.. فالعاملون في الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون يعيشون منذ سنوات حالة من التهميش والإقصاء، بينما تُمنح الفرص والمشاركات والاهتمام لعدد محدود من العاملين، في حين يُترك عشرات الإعلاميين والمهندسين والفنيين والإداريين، أصحاب الخبرات الطويلة، خارج دائرة الفعل والمشاركة.
*فهل يُعقل أن تختزل مؤسسة بحجم الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، بتاريخها وكفاءاتها، في مجموعة محدودة من الأشخاص؟ وهل هذه هي العدالة المؤسسية التي ينبغي أن تُدار بها مؤسسة وطنية يفترض أنها ملك لكل السودانيين؟.
*إن إعادة الإعمار لا تعني إعادة بناء الحجر وحده، وإنما تعني أيضًا إعادة الاعتبار للإنسان. فلا قيمة لاستوديوهات حديثة إذا ظل أصحاب الكفاءة والخبرة مهمشين، ولا معنى لمعدات جديدة إذا بقيت المؤسسة تُدار بعقلية الإقصاء والانتقائية. فالإعلام الوطني لا يُبنى بالأجهزة وحدها، وإنما بالعقول والخبرات والعدالة المؤسسية.
*ولهذا، فإن الرسالة التي ينتظرها الإذاعيون اليوم من وزارة الثقافة والإعلام ليست بيانًا جديدًا عن إعمار التلفزيون وحده، وإنما إعلانًا واضحًا عن مشروع وطني متكامل لإعمار الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون بكل مكوناتها، وإنصاف العاملين فيها، وإعادة الإذاعة السودانية إلى مكانتها الطبيعية باعتبارها صوت الوطن وذاكرته الحية.
*فالإذاعة ليست مبنى، وليست أجهزة فحسب، وإنما تاريخ وطن، وذاكرة شعب، وصوت أمة.. ويبقى السؤال الذي ينتظر الجميع إجابته إلى متى سيستمر هذا التجاهل؟ ولماذا تغيب الإذاعة السودانية عن خطط الإعمار، وهي التي كانت ولا تزال صوت السودان الأول؟.