
مايو .. صيف ولهيب ونار
بعْدٌ .. و .. مسَافَة
مصطفى ابوالعزائم
*لا أعرف كيف يستقبل كل منا شهر مايو، في السودان يعني هذا الشهر (قمة الصيف) ترتفع فيه درجات الحرارة إلى أعلى معدلاتها، وقبل هذه الحرب اللعينة كان البعض ينتقل من منطقته إلى منطقة أخرى هربا من سموم الصيف وحرارته القاسية، وشمسه التي تكاد تصل إلى ما فوق الرؤوس بقليل، وكثيرون يبقون في بيوتهم، يستظلون بالأسقف البلدية في غرفهم الطينية، حيث مقام الأكثرية التي ما عرفت غابات الأسمنت قبيل خروج المستعمر، أو بعد الإستقلال.
*ولشهر مايو في السودان إرتباط وثيق بتحول سياسي عميق، كان له الأثر الكبير في مسيرة البناء والحكم ، إذ كان يوم الخامس والعشرين من شهر مايو في العام 1969م، لا يشبه أيام تلك الفترة وما قبلها، فقد حمل معه جماعة عسكرية، جاءت على ظهور الدبابات والمدرعات لتذيع البيان الأول بإسم العقيد أركان حرب (جعفر محمد النميري) نعى فيه نظام الحكم الذي سبقه، وأودع رموزه السجون والمعتقلات، وتلونت مقاعد الحكم الجديد باللون الأحمر، وشعر قادة الطوائف والأحزاب السياسية أن موجة الانتقام قادمة .. فتهيأوا لذلك حماية للذات ، لكن (مايو) الذي راج مع الأناشيد الثورية أنه (سيف الفدا المسلول) أخذ بالفعل يشق خصومه (عرض وطول) فكانت أحداث (ود نوباوي) بأم درمان ومن بعدها أحداث (الجزيرة أبا)، التي كانت هي البداية لتكوين أخطر الجبهات السياسية في السودان، وهي (الجبهة الوطنية) التي جمعت الأحزاب التي أطاحت بها الحركة الإنقلابية.
*وأدت شمولية النظام القابضة إلى عنف دامٍ لم تبرره هشاشة النظام التعددي الذي قاد للفوضى ، والقفز على الدستور وتفسير مواده وفق هوى الساسة ، وكانت للشارع السوداني مواقفه التي تعبر عنه ، خاصةً بعد تنامي الوعي وزيادة فرص التعليم التي جاءت تطوراً طبيعياً إقترن بتطور المجتمع السوداني ونموه ، رغم أن ذلك النمو ما كان في مستوى تطلعات المواطنين.
*قبيل مايو 1969م، وفي آخر أيام الديمقراطية الثانية، ضربت الفوضى أركان النظام القائم وحدثت الخلافات داخل الحكومة الإئتلافية ، وإتجه الشريف حسين الهندي إلى قيادة جناح للإنفراد بالحكم ، بينما عرض عليه (الميرغني) أن يكون نائباً لرئيس الوزراء، وكان حزب الأمة ينادي بفض الإئتلاف، ونادى موظفو الحكومة المحلية بالإضراب بعد فشل إجتماعهم بالوزير ومنعهم من تسيير موكب إحتجاجي.
وكان الرئيس (إسماعيل الأزهري) رئيس مجلس السيادة بصدد زيارة إلى (مايرنو) صبيحة الخامس والعشرين من مايو 1969م ، وبرفقته وزير الداخلية حسن عوض الله والرشيد الطاهر بكر وزير الأشغال والعدل ، إلى جانب عدد كبير من المسؤولين بإدارة الجنسية والجوازات.
*بينما سبق ذلك الوفد السيد الإمام (الهادي المهدي) إلى الجزيرة أبا ، للقيام برحلة عمل إلى دارفور يزور من ضمنها (تلس) حيث نظارة الفلاتة ، وقد خلقت تلك الرحلات منافسة حزبية مبكرة في الحملة الإنتخابية لرئاسة الجمهورية قبل إجازة الدستور في مرحلة القراءة الثالثة والأخيرة ، وما يتبع ذلك من خطوات تتمثل في إجازته من قبل مجلس الوزراء ومن ثم إعتماده من مجلس السيادة لتصدر القوانين المصاحبة له.
*الأحداث تتالت وتوالت قبيل الإنقلاب الذي غير من خارطة الحكم والسياسة في البلاد .. نواصل ونزيد في المقال القادم بإذن الله تعالى.