الخرطوم تنهض.. من تحت الركام تُولد الحياة
الخرطوم – زلال الحسين:
في رحلة ل( أصداء سودانية ) بين أذقة العاصمة مشاهد التحول من الخراب إلى العمران.. كنتُ هناك، ورأيتُ بعيني كيف يتحول الدمار إلى بداية، وكيف يشقُّ الأمل طريقه بين الأنقاض.. هذه ليست حكايات تُروى، بل مشاهد حيّة من شرق النيل، وبحري، وأحياءٍ كثيرة في الخرطوم بدأت تستعيد نبضها.
والأمنُ عاد يمشي في الشوارع أذكر أنني كنت أسير ذات مساءٍ في طريقٍ أظلمه انقطاع التيار، فلمحتُ رجلاً يسير أمامي، فحاولتُ أن أقترب منه كي لا أبقى وحدي في العتمة.. شعر بخطاي فتوقف، والتفت إليّ مطمئناً، وقال لا تخافي يا ابنتي.. الشرطة قد جمعت كل أفراد العصابات الذين كانوا يتربصون بالناس ويسلبونهم أمتعتهم عنوة.. المدينة اليوم آمنة.
قبل أشهرٍ فقط، كانت بعض شوارع شرق النيل أشبه بمدن أشباح.. مبانٍ مثقوبة، وأسلاكٌ متدلية، وصمتٌ لا يقطعه إلا صدى الذكرى.. اليوم، وأنا أعبر (لحاج يوسف) و(الوحدة) و(شارع واحد)، أسمع إيقاعاً مختلفاً: صوت المطارق، وعجلات (الدرداقات) المحمّلة بالطوب.
أكثر ما يبعث على الطمأنينة هو عودة التيار الكهربائي إلى مناطق كثيرة جداً.. أحياءٌ في بري وامتداد ناصر والطائف والعمارات وشرق النيل باتت تنعم بساعات تغذيةٍ مستقرة لم تعرفها منذ اندلاع الحرب.. أعمدةٌ جديدة نُصبت، ومحولاتٌ أُصلحت، وكوابلٌ مُدت في سباقٍ مع الزمن.
رأيتُ الأسر في (الجريف غرب) تخرج الكراسي إلى الشارع ليلاً تحت ضوء (اللمبات) العائدة، والأطفال يلعبون على إضاءةٍ لم تكن موجودة.. الكهرباء هنا ليست مجرد خدمة، هي إعلانٌ صامت أن الدولة تعود، وأن الحياة تنتصر.
لكن المعجزة الحقيقية ليست في الطوب ولا في الأسلاك، بل في عيون الناس.. التقيتُ برجلٍ في (حلة كوكو) يعيد بناء دكانه الذي سُوّي بالأرض، سألته: من أين لك هذا اليقين؟ فابتسم وقال: الحرب أخذت منا كل شيء إلا الأمل.. ما دام فينا نفس، حنبني السودان ده حقنا، وما بنخليهو خرابة
هذا التفاؤل ليس وهماً، بل هو وقودٌ يومي.. تراه في امرأةٍ تكنس أمام منزلها المرمم، وفي شابٍ يفتح (طبلية) صغيرة لبيع (الطعمية)، وفي سائق (ركشة) علّق علم السودان على زجاجه وكتب عليه: (راجعين أقوى).. الناس هنا مؤمنة أن الإصلاح قادم، لا كخطابٍ سياسي، بل كحقيقةٍ يصنعونها بأيديهم.
في شرق النيل، الحركة التجارية تدبُّ من جديد في (سوق ستة) و(سوق الوحدة).. ورش الحدادة والنجارة تعمل، والمخابز عادت تطلق رائحة الخبز في الصباح.. وفي بحري، (سعد قشرة) يستعيد بعض عافيته، و(شارع المعونة) يشهد حركة صيانةٍ للطرق وإنارةٍ للشوارع.
هذه المناطق لم تتحول إلى جنانٍ بين ليلةٍ وضحاها، ما زالت الجراح ظاهرة، وما زال الطريق طويلاً. لكن المهم أن القطار وُضع على السكة.. أن التحول بدأ. أن من كان يمرُّ على بيتٍ مهدمٍ صار اليوم يرى سقفه يعود.
الإعمار في السودان اليوم ليس خطةً في أدراج الوزارات فحسب، بل هو قرارٌ شعبيٌ جريء.. هو إيمانٌ بأن هذا البلد يستحق فرصةً ثانية، وأن الخرطوم، رغم كل ما أصابها، ما زالت قادرةً على أن تكون عاصمةً للحياة.
خرجتُ من جولتي وأنا أكثر يقيناً: الدمار كان فصلاً، لكنه ليس نهاية الكتاب.. فما دام هناك أمٌّ تزرع ريحانةً أمام دارها، وشابٌّ يحمل (مسطرين) بدل البندقية، ومهندسٌ يعيد توصيل محوّلٍ كهربائي، فإن الخرطوم لا تموت.. بل تنهض. وقد بدأت النهوض بالفعل.