المجاعة… السلاح المستخدم في حرب السودان(1)
- التقارير التي تتناول المجاعة ذات طابع إعلامي وسياسي ولا تستند على المعايير العلمية
- هناك تناقض وتضارب في الأعداد المتأثرة بالمجاعة في السودان
- التقارير الإعلامية ذات طابع ترويجي يضخم أعداد الجوعي
د. حسن محمد صالح
يتناول هذا التقرير حقيقة وجود مجاعة في السودان بسبب الحرب,وهل المجاعة في السودان وصلت إلى مرحلة الجوع الشديد وموت الناس جوعا حسب التقارير الواردة من قبل بعض وكالات الأمم المتحدة ومنظمات الإغاثة الإنسانية ؟
ويتضمن التقرير تعريف المجاعة في أي دولة من الدول في العالم, وفقا للمعايير التي تم وضعها لإعتبار مكان ما متأثر بالمجاعة بمستوى من المستويات, وما هي صدقة التقاريرالإعلامية التي تتحدث عن المجاعة في السودان بسبب الحرب ,وما هي الأسباب المؤدية للظروف التي يمكن أن تنجم عنها مجاعة ؟ ودورالإنتهاكات التي قامت بها قوات الدعم السريع المتمردة في العاصمة الخرطوم ودارفور والجزيرة في تعريض المواطنين للجوع المميت بسبب الحصار, ودورها في منع وصول الإغاثة للمتضررين وقيامها بسرقة مواد الإغاثة وتحويلها إلى المناطق التي تسيطر عليها ومخيمات النازحين التي تديرها ؟
هل هناك مجاعة:
هناك إتهامات للجيش والحكومة السودانية بعرقلة وصول الإغاثة للمحتاجين من خلال البيروقراطية ومنع إرسال المواد الغذائية إلي المناطق التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع العدو المتمردة ومدى صحة تلك المزاعم من قبل بعض منظمات الألإمم المتحدة في هذا الشأن ؟
يتناول التقرير نفي وجود مجاعة في السودان من الجانبين الرسمي والشعبي كما يتناول الحديث عن إستغلال المجاعة للتدخل في الشئون الداخلية للسودان وإنتهاك السيادة الوطنية.
متى تحدث المجاعة:
يقول الخبراء المجاعة تحدث عندما يعاني بلد ما من نقص حاد في الغذاء بحيث يواجه سكانه سوء التغذية الحاد أو الجوع أو الموت . ويتم تعريف المجاعة إستنادا إلي إستهلاك الأغذية بأن المجاعة هي إنهيار مفاجئ في معدل إستهلاك الأغذية لدي أعداد كبيرة من الناس (بلير تيمو 1987 ) وهناك تعريف آخر للمجاعة إستنادا إلي معدل الوفيات ، مع التعرض لخطر شديد يهدد إستهلاك الأغذية لدى بعض قطاعات السكان (م رافيليون)
كيف يتم إعلان المجاعة:
يتم الإعلان المجاعة من قبل الدولة المعنية أو من قبل حكومة البلد المتأثر والأمم المتحدة, وأحيانا يتم إعلان المجاعة بالإشتراك مع حكومة البلاد وغالبا جنبا إلى جنب مع منظمات الإغاثة الدولية أو الوكالات الإنسانية.
ولمعرفة ما إن كان بلدا ما يواجه خطر المجاعة أم لا تقرر إستخدام مقياس الأمم المتحدة ويسمى التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي, وهذا يصنف نقص الغذاء في بلد ما أو إنعدام الأمن الغذائي علي مقياس من خمس مراحل عن الشدة حيث المجاعة هي المرحلة الخامسة والأسوأ, وهناك ثلاثة شروط يجب توفرها لإعلان المجاعة في بلد من البلدان وهي:
1- ما لا يقل عن 20% من الأسر يواجه نقصا شديدا في الغذاء
2- يعاني 30% من الأطفال من سوء التغذية الحاد
3- يموت شخصان بالغان أو أو أربعة أطفال لكل (10) ألف شخص كل يوم بسبب الجوع المباشر أو تفاعل لسؤ التغذية والمرض.
ما قالته التقارير:
التقاريرالتي تتناول المجاعة في السودان ذات طابع إعلامي وسياسي لا تستند على المعايير العلمية التي يمكن أن تصنف بلدا على أنه يواجه مجاعة شديدة وأخذ الحديث عن المجاعة في السودان طابع التحذير من المجاعة من قبل مسئولي الأمم المتحدة بناءً على الصراع المستمر في السودان منذ أبريل 2023م والذي من شأنه أن يغرق البلاد في أكبر كارثة إنسانية في التاريخ الحديث حسب توقعات بعض وكالات الأمم المتحدة مما يؤدي لأكبر أزمة جوع في العالم.
تناقض وتضارب:
هناك تناقض وتضارب في الأعداد المتأثرة بالمجاعة في السودان : ثمانية عشر مليون شخص وفقا لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة, وهناك تقديرات منسوبة لليونسيف حول سوء تغذية بين الأطفال لا مثيل له في العالم, منظمات أخرى تتحدث عن أكثر من نصف سكان السودان يواجهون الجوع الشديد أوالمرحلة الخامسة من المجاعة, وصدرت توقعات بتأثر 8 ملايين سوداني بالجوع الشديد وأخيرا 765 ألف سوداني سوف يواجهون مجاعة طاحنة.
طابع ترويجي:
درجت العادة أن تستند التقارير الإعلامية وتقارير الوكالات الدولية عن المجاعة التي تقع في العالم قديما وحديثا علي صور حية (فيديو أو فوتوغراف) للمتأثرين بالمجاعة خاصة الأطفال كما شاهد العالم ذلك في إثيوبيا والصومال في ثمانيات القرن العشرين
ويلاحظ الآن عدم وجود صور مصاحبة للتقارير الإعلامية التي تحدثت عن المجاعة في السودان
اتضح جليا أن بعض أو معظم التقارير التي تصدر عن المجاعة وحقوق الإنسان تاتي ضمن أسلحة تستخدم ضد القوات المسلحة والشعب السوداني الذي يقف مع جيشه معركة الكرامة وبين هذه الاسلحة سلاح القتل والتهجير والإغتصاب والسرقة وضرب البنية التحتية للبلاد , كل هذه الإنتهاكات تقوم بها مليشيا الدعم السريع المتمردة.
يلاحظ الكاتب أن التقارير الإعلامية التي تتحدث عن المجاعة في السودان ذات طابع ترويجي يتم من خلالها تضخيم أعداد الجوعي والمتأثرين لتحقيق عدد من الأغراض أهمها التدخل العسكري بإسم حقوق الإنسان والأوضاع الإنسانية.
التسؤل بالقضية:
أما وكالات الإغاثة الدولية تسعى من وراء هذه المعلومات التي تبثها عبر الإعلام إلى تحقيق ذات الأهداف في حق السودان وشعبه مع ممارسة ضغوط على المانحين من الدول والحكومات (الشحيحة) في الإنفاق على بند الجوع, ومن هنا يأتي البحث عن التمويل المالي على رأس إهتمام منظمات الإغاثة الدولية التي تجأر بالشكوى من ضعف التمويل لأنشطتها وبرامجها, وهذا دليل على أن هذه الوكالات تتسول بقضية المجاعة في السودان أكثر من حرصها على توصيل الغذاء للمتضررين من أبناء الشعب السوداني وقد أثبتت الممارسة الواقعية حقيقة ذلك بعد عقد مؤتمرات دولية لمواجهة الأوضاع في السودان, من بينها مؤتمر باريس الذي أخفق في تحصيل الأموال التي طلبتها الأمم المتحدة من المانحين لتوفير الغذاء للمتأثرين بالحرب في السودان.
التقارير الإعلامية التي تتحدث عن المجاعة في السودان تميل للمساواة بين الجيش السوداني ومليشيا الدعم السريع عندما تتحدث (عن طرفي الصراع) وعن الإنتهاكات وعمليات التجويع وقتل المواطنين و التسبب في الجوع, بدلاً من نسبة الانتهاكات إلى مليشيا الدعم السريع مباشرة, لكون المليشيا هي التي تفرض حصارا على المواطنين في ولاية الخرطوم ودارفور والجزيرة و وتقوم بنهب وسلب المحاصيل الزراعية وقطعان الماشية من أصحابها في الريف والمدن السودانية التي كانت تعج بالمزارع للحيوان والدواجن وغيرها, وتعتبر حركة (تقدم) من أكثر الجهات مساواة بين الجيش الوطني ومليشيا الدعم السريع في إنتهاكات حقوق الإنسان.
أجندة سياسية:
من أهم الملاجظات أن التقارير الإعلامية وبعض ممثلي وكالات الإغاثة لا يشيرون إلى دور الدعم السريع بصورة مباشرة خلطا للأوراق وتحقيقا لأجندة سياسية مكشوفة الدوافع من قبل غرف إعلامية تنطلق من أبو ظبي إلي جميع أنحاء العالم لتوصيل رسالة تهدف إلى التدخل العسكري في السودان
باسم الاوضاع الإنسانية والمجاعة وهذا يصب في مصلحة الدعم السريع الذي يواجه هزيمة في ميدان المعركة مع القوات المسلحة والمقاومة الشعبية والمستنفرين.
تصورات وتكهنات:
من شأن وكالات الإغاثة الدولية أن تحتاط لإمكانية حدوث مجاعة مع توفير الغذاء للمحتاجين المحتملين قبل وقت كافي لتلافي الأوضاع قبل حدوثها, الأمر الذي لم يحدث على أرض الواقع بل قامت هذه الوكالات بوضع التصورات والتكهنات المبالغ فيها للمجاعة في السودان وجاءت التكهنات الأولية لحدوث مجاعة بتأثر أكثر من نصف سكان السودان البالغ عددهم خمسين مليون نسمة (المرحلة الخامسة للمجاعة) الموسمومة بأنها أخطر المراحل وهي الفترة ما بين يونيو وسبتمبر 2024 م, ثم تأرجحت الأرقام والحديث الآن عن 750 ألف نسمه من السودانيين الذين يواجهون المرحلة الخامسة من المجاعة وهو رقم متواضع نسبة لعدد سكان السودان.
عنصر آخر أكثر تاثيراً وفيه دلالات للحياة في السودان وخاصة النشاط الزراعي وموسم الأمطار ونسبة لعامل الوقت نحن الآن في نوفمبر 2024م وهو نهاية موسم الخريف وهو موسم إنتاج زراعي وفير في الريف حيث الزراعة المطرية, يعضد هذا حديث لخبراء آخرين في مجال الإغاثة إن البلاد لم تصل إلى ظروف المجاعة واسعة النطاق لكنها ما زالت تعتبر في حالة أزمة كبيرة.
في اتجاه تاكيد المجاعة في السودان قالت وكالات الأمم المتحدة الشهر الماضي ( إكتوبر 2024) إن السودان على شفا خطر مجاعة وشيك يعاني نحو 3،6 مليون طفل من سوء التغذية الحاد, وأن الوضع كارثي وسريع التدهور في بلاد تمزقها الحرب.
مع إفتراض أن المتاثرين بالجماعة في السودان بسبب الحرب هم بهذه الضخامة إلا أنه على أرض الواقع لم توفر وكالات الإغاثة الدولية مواد غذاء أو علاج أو إيواء في أماكن الحاجة.